ولكنّ الحجّة ما دلّ عليه سببا نزول هذه الآية، ففي صحيح مسلم وغيره، عن البراء بن عازب(١)ـ رضي الله عنه ـ قال: مُرّ على النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بيهوديّ محمّماً مجلوداً، فدعاهم ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقال: "هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟"، قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: " أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟"، قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف، تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ :" اللهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه"، فأمر به، فرُجم، فأنزل الله ـ عزّ وجلّ ـ: ﴿ يأيّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنّا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّعون للكذب سمّعون لقوم ءاخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه..﴾ يقول: ائتوا محمّداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم، فاحذروا.. الحديث(٢).

(١) هو الصحابيّ الجليل البراء بن عازب بن الحارث، أبو عمارة الأنصاريّ الحارثيّ المدنيّ، روى أحاديث كثيرة، وشهد
غزوات كثيرة مع رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. حدّث عنه: عبد الله بن يزيد الخطميّ، وأبو جحيفة السوائي، مات سنة: اثنتين وسبعين. ( ينظر: التاريخ الكبير: ٢/١١٧، وسير أعلام النبلاء: ٣/١٩٤).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمّة، في الزنى: ص٤٤٢، برقم: ١٧٠٠.


الصفحة التالية
Icon