الشاهد، قولهم: "ائتوا محمّداً، فإنّ أمركم بالتحميم والجلد، فخذوه. وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا.."، وهذا مطابق لما جاء في الآية، فليس المقصود بقوله: ( سمّاعون لقوم آخرين ) أنّهم يقبلون منهم، فإنّهم ـ أصلاً ـ منهم. ولكنّهم يسمعون لأجل أولئك القوم الذين لم يحضروا مجلسه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ. فهم سمّاعون للكذب من أحبارهم، أي يقبلونه غاية القبول. ثمّ هم ـ مع ذلك ـ سمّاعون لغيرهم، يسألون رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لأجل أولئك القوم الذين لم يأتوا، تحسّساً، ثمّ ينقلون ما سمعوه إليهم، فإن كان موافقاً لأهوائهم جاؤوا، وإلا لم يأتوا. ويشهد لذلك ما جاء في الرواية الأخرى: " فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبيّ، فإنّه بُعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم، قبلناها، واحتججنا بها عند الله. قلنا: فتيا نبيّ من أنبيائك.. "(١).
وفي رواية: فاجتمع أحبار من أحبارهم، فبعثوا قوماً آخرين إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقالوا: سلوه عن حدّ الزنى..(٢).
وليس ما فعله هؤلاء السمّاعون من باب التجسّس، فإنّهم إنّما سألوا عن قضيّة بعينها، لحقن دماء بني قومهم، ولم يقصدوا معرفة أحوال المسلمين، ورصد تحرّكاتهم. ولذا لم يشر الطبريّ ـ رحمه الله ـ إلى ذكر الجواسيس في هذه الآية، وإنّما أشار إلى ذلك في آية التوبة، لأنّ الحديث فيها عن المنافقين، وهم الذين يصدق عليهم وصف الجواسيس.
أمّا من قال: إنّ اللام في الموضع الأوّل، لام كي.. ، فقوله مردود من وجهين:
؟ أحدهما: ما سبق من اتّفاق عامّة المفسّرين على أنّ اللام في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى ﴿ سمّعون للكذب أكّلون للسحت.. ﴾ لام التعدية، وهذه مثلها، فكيف يفرّق بين متماثلين؟.
(٢) المصدر السابق: ٥/١٠٨، برقم: ٤٤٤٧.