؟ دلالة السياق، فإنّ سياق الآيات يدلّ على أنّها نزلت في نسق واحد(١)، فلا بدّ أن يكون قوله ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ معطوفاً على ما قبله من قوله تعالى: ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾، وقوله: ﴿ فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾، وإنّما حذف التخيير في الآخِر، لدلالة الأوّل عليه، لأنّه معطوف عليه، وليس الآخر بمنقطع عمّا قبله، إذ لا معنى لذلك، ولا يصحّ، بل هو مرتبط به، والناسخ لا يكون مرتبطاً بالمنسوخ، ولا معطوفاً عليه، فالتخيير في ذلك محكم غير منسوخ(٢).
؟ أنّ النسخ لا يحكم به إلاّ إذا تعذّر الجمع بين الدليلين، والجمع هنا ممكن، فإنّ الأوّل جاء في التخيير بين الحكم وتركه. والثاني بيّن كيفية الحكم إذا كان(٣).
ويجاب عن أدلّة القائلين بالنسخ بما يلي:
؟ أثر ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ مختلف فيه. قال ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ :" إنّما يرويه سفيان بن حسين(٤)، وليس بالقويّ، وقد اختلف عليه فيه، فروي عنه
موقوفاً على مجاهد، وهو الصحيح من قول مجاهد، لا من قول ابن عبّاس "(٥). فإذا ثبت أنّه من قول مجاهد، فهو قول تابعيّ، وقد خالفه غيره من التابعين، وليس قول بعضهم بحجّة على بعض.
(٢) ينظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله، واختلاف الناس فيه لمكيّ بن أبي طالب ( الرياض:
جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميّة ): ص٢٣٥.
(٣) ينظر: زاد المسير: ص٣٨٤.
(٤) سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمّد الواسطي. قال عنه يحيى بن معين: ليس بالقويّ. وقال أبو حاتم الرازي: ليس
به بأس. ووثّقه ابن حجر في غير الزهري. مات مع المهديّ، وقيل في خلافة الرشيد. ( ينظر: الجرح والتعديل: ٤/٢٢٧، ومن تُكلّم فيه للذهبيّ: ص٨٩، وتقريب التهذيب ( بيروت: دار المعرفة ): ١/٣١٠ ).
(٥) التمهيد: ١٤/٤٠٣.