وأجابوا عن حديث: " لا يقتل مسلم بكافر" بأنّه: "لم يكن منفرداً، ولو كان منفرداً لاحتمل ما قالوا، ولكنّه جاء موصولاً بغيره، وهو قوله: "ولا ذو عهد في عهده"، فاستحال أن يكون معناه ما حمله عليه أهل المقالة الأولى، لأنّه لو كان ما ذكروا، لكان ذلك لحناً، ورسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أبعد الناس من ذلك. ولكان: ( لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذي عهد في عهده )، فلمّا لم يكن لفظه كذلك، وإنّما هو: ( ولا ذو عهد في عهده )؛ علمنا بذلك أنّ ذا العهد هو المعنيّ بالقصاص، فصار ذلك كقوله: ( لا يقتل مؤمن، ولا ذو عهد في عهده، بكافر )، وقد علمنا أنّ ذا العهد كافر، فدلّ ذلك أنّ الكافر الذي منع النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن يقتل به المؤمن في هذا الحديث، هو الكافر الذي لا عهد له، فهذا ممّا لا اختلاف فيه بين المؤمنين، أنّ المؤمن لا يقتل بالكافر الحربيّ، وأنّ ذا العهد الكافر الذي قد صار له ذمّة، لا يقتل به أيضاً "(١).
؟ القول الثالث: أنّ المسلم لا يقتل بالذمّيّ، إلا إذا قتله غيلة. وهو قول مالك، والليث، وحجّتهم: ما أخرجه البيهقيّ في سننه(٢)، أنّ مسلماً قتل معاهداً، فرفع إلى عمر، فقال: "إن كان طيرة في غضب، فعلى القاتل أربعة آلاف. وإن كان القاتل لصّاً عادياً، فيقتل ". ففرّق بين قتل الغضب، وقتل الغيلة.
والراجح: ما ذهب إليه الجمهور، لقوّة أدلّتهم، ولأنّ قوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ :"لا يقتل مسلم بكافر " صريح في عدم مساواة المسلم بالكافر في الدماء، أيّاً كان. وهذا العموم لم يرد ما يخصّصه.
أمّا ما زعموه من أنّ قوله: " ولا ذو عهد في عهده " معطوف على قوله: " لا يقتل مسلم بكافر "، وهو من عطف الخاصّ على العامّ، وأنّ التقدير: ( ولا ذو عهد في عهده بكافر )، فذلك مردود من وجوه:

(١) شرح معاني الآثار: ٣/١٩٢.
(٢) ٨/٣٣.


الصفحة التالية
Icon