o أحدهما: أنّه عموم مخصوص ـ كما سبق ـ(١)، وقولهم: ليس في الآية ما يوجب خصوص الحكم في بعض القتلى دون بعض، غير مسلّم؛ فإنّ أوّلها وآخرها يدلاّن على أنّها خاصّة بالمؤمنين. فأمّا أوّلها، فإنّ الله وجّه الخطاب للمؤمنين، فقال: ﴿ يأيّها الذين ءامنوا ﴾. وأمّا آخرها، فإنّه قال: ﴿.. فمن عُفي له من أخيه شي ء فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان.. ﴾، ولا أخوّة بين المؤمن والكافر. ولو سلّمنا أنّ الآية ليس فيها ما يوجب التخصيص، فإنّها مخصّصة بالنصوص الأخرى التي أوجبت التفريق بين المؤمن والكافر، كقوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " لا يقتل مسلم بكافر ".
o الثاني: أنّ سبب النزول بيّن المراد من هذه الآية، فإنّها نزلت في قبيلتين من قبائل العرب، اقتتلتا قتال عِمِّيَّة(٢)، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان بن فلان. وبأمتنا فلانة بنت فلان. فنهاهم أن يتعدّوا القاتل إلى غيره في القصاص(٣).
وقيل نزلت في فريقين، كان بينهم قتال على عهد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقُتل من كلا الفريقين جماعة، من الرجال، والنساء، والعبيد. فأمر الله بالإصلاح بينهم، بأن تجعل ديات الرجال من كلّ واحد من الفريقين قصاصاً، بديات الرجال من الفريق الآخر، وديات النساء بالنساء، وديات العبيد بالعبيد(٤).
ففي هذين السببين دلالة ظاهرة على أنّ الآية إنّما نزلت في طوائف من المؤمنين، وأنّ حكمها لا يتعدّاهم، إلا لمن كان في حكمهم.
٣ ـ ما روي من قتل النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ رجلاً من أهل القبلة، برجل من أهل الذمّة.. ، لا يصحّ، وذلك من وجهين:
(٢) عِمِّيَّة: على وزن فِعِّيلَة، من العَماء: الضلالة، كالقتال في العصبيّة والأهواء. وقتيلُ عِمِّيَّا: أي لم يُدرَ من قتله. ( ينظر
: لسان العرب: ٤/٣١١٦، مادة: (عمى).
(٣) ينظر: جامع البيان: ٢/١٠٨.
(٤) ينظر: جامع البيان: ٢/١٠٨.