قال: قتل رجل من فرسان أهل الكوفة عباديّاً(١)، من أهل الحيرة، فكتب عمر أنْ أقيدوا أخاه منه. فدفعوا الرجل إلى أخي العبادي، فقتله، فجاء كتاب عمر أن: لا تقتلوه. وقد قتله(٢).
ومّما يؤيّد رجوع عمر ـ رضي الله عنه ـ ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، عن ابن أبي المليح، أنّ رجلاً من قومه، رمى رجلاً يهوديّاً بسهم، فقتله، فرفع إلى عمر، فأغرمه أربعة آلاف، ولم يقد منه(٣).
أمّا ما روي عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال: "إذا قتل المسلم النصراني، قتل به"، فإنّ ذلك مخالف لما صحّ عنه من روايته لحديث: "لا يقتل مسلم بكافر"، ومحال أن يروي حديثاً عن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ثمّ يخالفه، ممّا يدلّ على ضعف ما روي عنه من القول بقتل المسلم بالنصراني، وإذا تعارض ما في الصحيح مع ما في غيره، فما في الصحيح مقدّم عليه.
٦ ـ ما احتجّوا به من قطع يد المسلم بسرقة الذمّيّ، وقولهم إنّ النفس أعظم حرمة.. يجاب عنه من وجهين:
o أحدهما: أنّ هذا القياس لا يصحّ، لأنّ القطع حقّ لله، والقتل بخلاف ذلك. ومثل ذلك
يقال في احتجاجهم بحدّ المسلم إذا قذف الذمّيّ، فإنّ حدّ القذف حقّ لله لا يملك الرجوع عنه، بخلاف القصاص، فإنّ الإجماع منعقد على سقوطه بعفو المستحقّ له، هذا عند القائلين بوجوب الحدّ بقذف الذمّيّ. وأكثر الفقهاء لا يرون وجوب الحدّ على المسلم إذا قذف الذمّيّ(٤).
o الثاني: أنّ القصاص يشعر بالمساواة بين الكافر والمسلم، ولا مساواة بينهما. أمّا القطع، فلا تشترط فيه المساواة.

(١) نسبة إلى العباديين، فرقة من فرق النصارى، كانوا يسكنون الحيرة.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة: ٥/٤٠٨، برقم: ٢٧٤٦٣.
(٣) السابق: ٥/٤٠٩، برقم: ٢٧٤٧٤.
(٤) ينظر: فتح الباري: ١٢/٢٦٢، والقصاص في النفس: ص٦٤.


الصفحة التالية
Icon