أمّا ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث، من التفريق بين قتل الغيلة وغيره، فهو قول له وجاهته، بل هو اختيار الشيخ ـ رحمه الله ـ(١)، لكنّه خارج محلّ النزاع، إذ أنّ قتل الغيلة عند الشيخ ـ على الصحيح كما سبق(٢)ـ داخل في حكم الحرابة، فيقتل حدّاً، لا على سبيل القود.
وما روي من النصوص، والآثار، في قتل المسلم بالذمّيّ وغيره إذا قتله غيلة، محمول على ذلك، ومنها:
١ ـ ما أخرجه ابن أبي شيبة، أنّ رجلاً من المسلمين، مرّ برجل من اليهود، فأعجبته امرأته، فقتله وغلبه عليها، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب أن: ادفعوه إلى وليّه. قال: فدفعناه إلى أمّه، فشدخت رأسه بصخرة..(٣).
٢ ـ ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، أنّ رجلاً من النبط عدا عليه رجل من أهل المدينة، فقتله قتل غيلة، فأتى به أبان بن عثمان(٤)ـ وهو إذ ذاك على المدينة ـ، فأمر بالمسلم
الذي قتل الذمّيّ أن يُقتل(٥).
ولذا لم يشر الشيخ ـ رحمه الله ـ إلى هذا القول لخروجه عن محلّ النزاع.
والمقصود: أنّ القول الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من أنّ المسلم لا يُقاد بالكافر، وأنّ ما استدلّ به المخالفون لا تقوم به الحجّة. ولذا قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ :"ولم يأت من ذهب إلى قتل المسلم بالذمّيّ بما يصلح للاستدلال به "(٦).
(٢) ينظر: ص ٢١٦.
(٣) مصنّف ابن أبي شيبة: ٥/٤٠٨، برقم: ٢٧٤٦٢.
(٤) هو أبان بن عثمان بن عفان الإمام الفقيه الأمير، سمع أباه وزيد بن ثابت. حدّث عنه : الزهري، وأبو الزناد. مات
سنة خمس ومئة. ( ينظر: أخبار القضاة لوكيع ( بيروت: عالم الكتب ): ١/١٢٩، وسير أعلام النبلاء: ٤/٣٤١).
(٥) مصنّف ابن أبي شيبة: ٥/٤٠٩، برقم ٢٧٤٦٩.
(٦) الدراري المضيّة شرح الدرر البهيّة ( بيروت: دار الجيل ): ١/٤٥١.