وأوضح ذلك أبوحيّان، فقال: " أمر ـ تعالى ـ أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام، ويكون هذا الأمر على سبيل الحكاية، وقلنا لهم: احكموا. أي حين إيتائه عيسى أمرناهم بالحكم بما فيه، إذ لا يمكن ذلك أن يكون بعد بعثة محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إذ شريعته ناسخة لجميع الشرائع "(١).
وإلى ذلك ذهب الواحديّ أيضاً ـ رحمه الله تعالى ـ(٢).
واكتفى بعض المفسّرين بذكر القولين دون ترجيح(٣).
وحجّة من خالف ما ذهب إليه الشيخ، ما ذكره أبو حيّان من أنّ الأمر بالحكم بما في الإنجيل، بعد بعثة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ غير ممكن، لأنّ شريعته نسخت الشرائع السابقة.
وقد سبق جواب الشيخ عن ذلك، ويضاف إليه ما يلي:
١. دلالة السياق في الآية نفسها، فإنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ ختمها بقوله: ﴿.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفسقون ﴾، وهذا يعمّ السابق واللاحق، لكنّ السابق لا معنى لخطابه، فتعيّن أن يكون الخطاب لللاحق، بل ذهب ابن عطيّة ـ رحمه الله ـ إلى أبعد من ذلك، فقال في قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، الظالمون، الفاسقون ): " وأصوب ما يقال فيها أنّها تعمّ كلّ مؤمن وكلّ كافر، فيجيء كلّ ذلك في الكافر على أتمّ وجوهه، وفي المؤمن على معنى كفر المعصية، وظلمها، وفسقها "(٤).
(٢) ينظر: الوجيز: ١/٣٢٢.
(٣) ينظر على سبيل المثال: التفسير الكبير للرازي: ١٢/ ١٠، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٦/٢٠٩.
(٤) المحرّر الوجيز: ٤/٤٦٦.