ثمّ ذكر الشيخ أنّ ( عبد ) فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، أي: من لعنه الله، ومن غضب عليه، ومن جعل منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت. لكنّ هذه الأفعال المتقدّمة، الفاعل فيها هو اسم الله، مظهراً كما في ( لعن )، ومضمراً كما في (غضب) و ( جعل ).
أمّا الفعل ( عبد )، فهو اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير في عبد، أي: وعبد هو الطاغوت.
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: " ولم يُعد ـ سبحانه ـ حرف ( مَنْ ) لأنّ هذه الأفعال كلّها
صفة لصنف واحد، وهم اليهود "(١).
وقال في موضع آخر: " وقوله ـ تعالى ـ ( وعبد الطاغوت ) معطوف على ( لعنه الله )، أي: من لعنه الله، وغضب عليهم، وعبد هو الطاغوت. ليس هو داخلاً في خبر ( جعل ) حتّى يلزم إشكال كما ظنّه بعض الناس"(٢).
وقال في موضع ثالث: " أي: من لعنه الله، وجعل منهم الممسوخين، وعبدة الطاغوت. فـ ( جعل ) معطوف على ( لعن ). وليس المراد: منهم من عبد الطاغوت كما ظنّه بعض الناس، فإنّ اللفظ لا يدلّ على ذلك، والمعنى لا يناسبه، فإنّ المراد: ذمّهم على ذلك، لا الإخبار بأنّ الله جعل منهم من يعبد الطاغوت. إذ مجرّد الإخبار بهذا، لا ذمّ فيه لهم، بخلاف جعله منهم القردة والخنازير، فإنّ ذلك عقوبة منه لهم على ذنوبهم، وذلك خزي، فعابهم بلعنة الله ـ تعالى ـ وعقوبته، بالشرك الذي فيهم، وهو عبادة الطاغوت "(٣).
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ فيما ذهب إليه: الحارث المحاسبيّ(٤)،

(١) مجموع الفتاوى: ١٤/٤٥٥، وتفسير آيات أشكلت: ١/١٤٣.
(٢) الجواب الصحيح: ٥/٩٣.
(٣) منهاج السنّة النبويّة: ١/١٣٣.
(٤) ينظر : فهم القرآن ومعانيه :( بيروت : دار الكنديّ، دار الفكر ): ص٤٨١.
والمحاسبي هو شيخ الصوفيّة، أبو عبد الله، الحارث بن أسد البغدادي، له كتب كثيرة في الزهد والردّ على بعض الفرق، ورد عن الإمام أحمد أنّه أثنى عليه من وجه، وحذّر منه. مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين. ( ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٢/ ١١٠، وطبقات الصوفيّة: ص٥٦ ).


الصفحة التالية
Icon