وذكر الشيخ سبباً آخر لتأخير قول ( وعبد الطاغوت ) وحقّه في الترتيب أن يكون مقدّماً، نقله عنه الألوسيّ في تفسيره، وهو الإيذان باستقلال كلّ من المقدّم والمؤخّر بالدلالة على ما ذكر من الشرّيّة، ولو روعي ترتيب الوجود، وقيل: ( من عبد الطاغوت، ولعنه الله، وغضب عليه.. ) لربّما فُهم أنّ الشرّيّة هو المجموع(١).
وممّا سبق يتبيّن رجحان ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ ومن وافقه من الأئمّة، ويشهد لذلك: قراءة أبيّ بن كعب، وابن مسعود: ( وعبدوا الطاغوت )، والمعنى: والذين عبدوا الطاغوت، وهي مطابقة للمعنى المختار: ( ومن عبد الطاغوت )(٢)، وهي وإن كانت قراءة شاذّة، إلاّ أنّها مفسّرة للقراءة الصحيحة، لا سيّما وأنّ أبيّاً وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ من قرّاء الصحابة.
٣١ ـ قوله تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم.. ﴾[المائدة: ٧٢، ٧٣].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ ما ورد في القرآن من قول النصارى: ﴿.. إنّ الله هو المسيح ابن مريم..﴾، وقولهم: ﴿.. إنّ الله ثالث ثلثة..﴾، وقولهم:﴿.. المسيح ابن الله.. ﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أنّ ذلك قول عامّتهم، وليس كلّ واحد منها قول طائفة منهم.
قال ـ رحمه الله ـ بعد إيراده لهذه الآيات: " والنصارى قالت الأقوال الثلاثة، فذكر الله عنهم هذه الأقوال، لكن من الناس من يظنّ أنّ هذا قول طائفة منهم، وهذا قول طائفة منهم.. كما ذكر طائفة من المفسّرين.. ثمّ تارة يحكون عن اليعقوبيّة(٣)

(١) ينظر: روح المعاني: ٦/ ١٥٧.
(٢) ينظر: جامع البيان: ٤/٦٣٥.
(٣) اليعقوبيّة: نسبة إلى يعقوب البرذعاني من رهبان القسطنطينيّة. قالوا: إنّ روح الباري اختلط ببدن عيسى اختلاط الماء
باللبن، وهم يقولون بالأقانيم الثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة. فيعبّرون عن الوجود بالآب. وعن العلم بالكلمة. وعن الحياة بروح القدس. ثمّ إنّ الكلمة عندهم انقلبت لحماً ودماً، فصار الإله هو المسيح. ( ينظر: الملل والنحل للشهرستاني ( بيروت: دار المعرفة): ١/٢٥٥، ٢٢٦، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ( القاهرة: مكتبة الخانجي ): ١/٤٨، ٥٠، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين للرازي: ص١٣٢).


الصفحة التالية
Icon