فإن قيل: فلمَ قال ـ مخاطباً الجميع ـ: ( ولا تقولوا ثلاثة )؟. فالجواب: أنّ التحقيق أنّ النصارى جميعاً متّفقون على عقيدة التثليث، وإنّما اختلفوا في طبيعة المسيح ـ عليه السلام ـ والعنصر الإلهي فيه، أهو الجسد الذي تكوّن من الروح القدس، ومن مريم العذراء، والذي باختلاطه بالعنصر الإلهي صار طبيعة واحدة، ومشيئة واحدة، وهؤلاء هم القائلون بأنّ الله هو المسيح ابن مريم. أو أنّ الأقنوم الثاني له طبيعتان ومشيئتان، وهم القائلون: المسيح ابن الله(١). وبهذا يجاب عمّا احتجّ به الشيخ ـ رحمه الله ـ من قوله تعالى لهم: ( ولا تقولوا ثلاثة )، مع إخباره بأنّهم افترقوا، وألقي بينهم العداوة والبغضاء.. الخ.
؟ الثالث: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قد أثبت الاختلاف بينهم، كما في قوله ـ سبحانه ـ: ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم.. ﴾[مريم: ٣٧].
وقد أخرج عبد الرزّاق في تفسيره(٢)، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿ ذلك عيسى ابن
مريم قول الحقّ الذي فيه يمترون ﴾[مريم: ٣٤]، قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كلّ قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله، هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثمّ صعد إلى السماء. وهم اليعقوبيّة. قال: فقال الثلاثة: كذبت. ثمّ قال اثنان منهم للثالث: قل. فقال: هو ابن الله. وهم النسطوريّة. فقال اثنان: كذبت. ثمّ قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة: الله، وهو إله، وأمّه إله. وهم الإسرائيلية، وهم ملوك النصارى. قال الرابع: كذبت. هو عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته. وهم المسلمون، فكان لكلّ رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا، فظهروا على المسلمين، وذلك قول الله: ﴿.. ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس.. ﴾[آل عمران: ٢١].
(٢) تفسير القرآن ( الرياض: مكتبة الرشد ): ٣/٨.