في أصحاب تبتّلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرّموا طيّبات الطعام واللباس، إلاّ ما أكل ولبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالإخصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت: ﴿ يأيّها الذين ءامنوا لا تحرّموا طيّبت ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين ﴾، يقول: لا تسيروا بغير سنّة المسلمين. يريد: ما حرّموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من صيام النهار، وقيام الليل، وما همّوا به من الإخصاء، فلمّا نزلت فيهم، بعث إليهم رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، فقال: "إنّ لأنفسكم حقّاً، وإنّ لأعينكم حقّاً، صوموا وأفطروا، وصلّوا وناموا، فليس منّا من ترك سنّتنا "، فقالوا: اللهمّ أسلمنا، واتّبعنا ما أنزلت(١).
وأصل هذا الحديث في الصحيحين، من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ، ولفظه: أنّ نفراً من أصحاب النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ سألوا أزواج النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن عمله في السرّ، فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله، وأثنى عليه. ثمّ قال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا. لكنّي أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي "(٢).
وقد وافق الشيخ في اختياره: ابن الجوزيّ(٣).
واختار القرطبيّ قول الحسن، وذكر أنّه الأولى(٤).

(١) جامع البيان : ٥/١٢. وينظر : أسباب النزول للواحديّ ( بيروت : دار الكتب العلميّة: ص١١٧.
(٢) أخرجه البخاريّ في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح: ٥/١٩٤٩، برقم: ٤٧٧٦، ومسلم في كتاب النكاح،

باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه: ص٣٤٣. واللفظ لمسلم.


(٣) ينظر: تذكرة الأريب في تفسير الغريب ( الرياض: مكتبة المعارف ): ١/١٤٦.
(٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٦/٢٦٣.


الصفحة التالية
Icon