وتوسّط بعض المفسّرين، فعمّ وخصّ، منهم ابن جرير ـ رحمه الله ـ، فإنّه قال: ".. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله ـ تعالى ذكره ـ قد عمّ بقوله: ( ولا تعتدوا ) النهي عن العدوان كلّه، كان الواجب أن يكون محكوماً لما عمّه بالعموم، حتّى يخصّه مايجب التسليم له، وليس لأحد أن يتعدّى حدّ الله تعالى في شيء من الأشياء، ممّا أحلّ أو حرّم، فمن تعدّاه، فهو داخل في جملة من قال تعالى ذكره: ﴿.. إنّ الله لا يحبّ المعتدين ﴾".
ثمّ خصّ فقال: " وغير مستحيل أن تكون الآية نزلت في أمر عثمان بن مظعون والرهط الذين همّوا من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بما همّوا به من تحريم بعض ما أحلّ الله لهم على أنفسهم، ويكون مراداً بحكمها كلّ من كان في مثل معناهم، ممّن حرّم على نفسه ما أحلّ الله له، أو أحلّ ما حرّم الله عليه، أو تجاوز حداً حدّه الله له، وذلك أنّ الذين همّوا بما همّوا به من تحريم بعض ما أحلّ لهم على أنفسهم، إنّما عوتبوا على ما همّوا به من تجاوزهم ما سنّ لهم وحدّ، إلى غيره "(١).
ووافقه أبو حيّان على ذلك(٢).
واقتصر كثير من المفسّرين على ذكر القولين دون ترجيح(٣).
وأعدل الأقوال: ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ لما ذكره من دلالة السياق، وسبب النزول، وهما من أقوى المرجّحات(٤).
أمّا السياق؛ فإنّ قوله تعالى: ( ولا تعتدوا ) معطوف على قوله: ( لا تحرّموا )، فتحريم الحلال يكون بالامتناع عن تناوله. والاعتداء: الزيادة على ذلك بمثل الاختصاء ونحوه.
(٢) ينظر: البحر المحيط: ٤/١١.
(٣) ينظر: معالم التنزيل: ٣/٩٠، والكشّاف: ١/٣٦٠، والمحرّر الوجيز: ٥/١٣، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل
= للبيضاوي ( بيروت: دار الفكر ): ٢/٣٥٩، ومدارك التنزيل: ١/٢٩٩.
(٤) ينظر: قواعد الترجيح عند المفسّرين: ١/١٢٥، و١/٢٤١.