ثمّ لمّا نهاهم عن تحريم ما أحلّ، وتجاوز ذلك، أمرهم بالأكل من الحلال الطيّب، وتقوى الله ـ عزّ وجلّ ـ، فلا يتجاوزون ذلك إلى ما حرّم: ﴿ وكلوا ممّا رزقكم الله حللاً طيّباً واتّقوا الله الذي
أنتم به مؤمنون ﴾[المائدة: ٨٨].
ثمّ بيّن لهم المخرج من الأيمان التي حلفوها على ترك الحلال، وسلوك الرهبانيّة، فقال: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمنكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمن فكفّرته.. ﴾[المائدة: ٨٩].
وإنّ ممّا يؤيّد ذلك، أنّ أكثر المفسّرين فسّروا الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا..﴾[البقرة: ١٩٠] بأنّه قتل النساء والصبيان والشيوخ والرهبان، ونحوهم من غير المقاتلين، ولم يقولوا بالعموم(١)، لدلالة السياق على التخصيص، فهو هنا كذلك.
وأمّا سبب النزول؛ فقد ورد فيه أنّ الاعتداء هو السير بغير سنّة المسلمين من الرهبانيّة المبتدعة عند النصارى وغيرهم، وفي بعض الروايات ورد تفسير الاعتداء بأنّه جبّ المذاكير. كلّ ذلك يقوّي ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ، والله تعالى أعلم.
٣٣ ـ ٣٥ : قوله تعالى:﴿.. فكفّرته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم.. ﴾[المائدة: ٨٩].
فيه ثلاث مسائل:
؟ المسألة الأولى: الإطعام هل هو مقدّر بالشرع أم بالعرف.
؟ المسألة الثانية: الأدم هل هو واجب أم مستحبّ.
؟ المسألة الثالثة: تمليك الطعام هل هو واجب.
المسألة الأولى: الإطعام هل هو مقدّر بالشرع أم بالعرف.
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ الإطعام الوارد في الآية غير مقدّر بالشرع، وإنّما يرجع فيه إلى العرف، فيطعم أهل كلّ بلد من أوسط ما يطعمون أهليهم قدراً ونوعاً.