واختار ابن حبيب(١)من المالكيّة وجوب الإدام مطلقاً. وأيّده القرطبيّ في تفسيره، وذكر أنّ نزول الآية في الوسط يقتضي وجود الإدام(٢).
وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ هو القول الوسط، وهو الراجح، لما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿.. من أوسط ما تطعمون أهليكم..﴾، فإنّه إذا لم يكن يطعم أهله الإدام، لم يجب عليه أن يطعم غيرهم بنصّ الآية.
والذين لم يوجبوا الإدام مطلقاً، جعلوا الإطعام في كفّارة اليمين، وفي غيرها من الكفّارات، واحداً في سائر الأحكام، وقد سبق أنّ ذلك قياس مع الفارق، حيث خصّ الله كفّارة اليمين بقوله: ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ).
وأمّا من أوجبوا الإدام مطلقاً، أو في غير خبز الحنطة، فليس معهم دليل صحيح يحتجّون به، سوى ما فهموه من لفظ الآية، ولفظ الآية لا يحتمل ما فهموه، كما قال ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ(٣).
المسألة الثالثة: التمليك في كفّارة اليمين هل هو واجب؟:
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ عدم وجوب التمليك في كفّارة اليمين.
قال ـ رحمه الله ـ: " وإذا جمع عشرة مساكين، وعشّاهم خبزاً أو أدماً من أوسط ما يطعم أهله، أجزأه ذلك عند أكثر السلف، وهو مذهب أبي حنيفة(٤)، ومالك(٥)، وأحمد ـ في إحدى الروايتين(٦)ـ، وغيرهم، وهو أظهر القولين في الدليل "(٧).
وحجّة الشيخ:

(١) الإمام العلاّمة فقيه الأندلس، أبو مروان، عبد الملك بن حبيب بن سليمان، السلمي العبّاسي القرطبيّ المالكيّ، أخذ
عن الغاز بن قيس، وصعصعة بن سلام. مات سنة: ثمان وثلاثين ومئتين. ( ينظر: تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ( القاهرة: مكتبة الخانجي ): ١/٢٦٩، وسير أعلام النبلاء: ١٢/١٠٢ ).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٦/٢٧٨.
(٣) ينظر: المصدر السابق.
(٤) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: ٢/٤٥٧، والمبسوط للسرخسي: ٧/١٦.
(٥) ينظر: المدوّنة الكبرى: ٣/١١٩.
(٦) ينظر: المغني: ١١/٩٧.
(٧) الفتاوى الكبرى: ٢/١٠٤.


الصفحة التالية
Icon