رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ المراد بقوله: ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾: " من عاد إلى ذلك في الإسلام بعد ما عفا الله عنه في الجاهليّة، وقبل نزول الآية "(١)، وليس المراد عفا الله عمّن عاد ثانية في الإسلام بعد أولى، عالماً بالحكم.
واستدلّ لذلك بما يلي:
١. أنّ ذلك مثل قوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلاّ ما قد سلف.. ﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلاّ ما قد سلف.. ﴾[النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.. ﴾[الأنفال: ٣٨]. فقوله ( ما قد سلف ) في هذه الآيات يراد به ما سلف منهم في الجاهليّة.
٢. أنّه لو كان المراد: ( عفا الله عن أوّل مرّة )، لما أوجب عليه جزاءً، ولا انتقم منه، وقد أوجب عليه الجزاء أوّل مرّة، وقال: ( ليذوق وبال أمره )، فمن أذاقه الله وبال أمره، كيف يكون عفا عنه؟.
٣. أنّ قوله ( عمّا سلف ) لفظ عام، واللفظ العامّ المجرّد عن قرائن التخصيص، لا يراد به مرّة واحدة، فإنّ هذا ليس من لغة العرب.
٤. أنّه لو قدّر أنّ المراد بالآية: ( عفا الله عن أوّل مرّة )، وأنّ قوله ( ومن عاد ) يراد به العَود إلى القتل، فإن انتقام الله منه إذا عاد، لا يسقط الجزاء، فإنّ تغليظ الذنب لا يسقط الواجب، كمن قتل نفساً بعد نفس، لا يسقط عنه قود، ولا دية، ولا كفّارة"(٢).
الدراسة، والترجيح:
حاصل الأقوال في هذه الآية ـ كما ذكر ابن جرير(٣)ـ خمسة:
o الأوّل: عفا الله عمّا سلف منكم في الجاهليّة، ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفّارة. وهو مروي عن عطاء.
o الثاني: مثل الأوّل، إلاّ أنّهم قالوا: فينتقم الله منه بإلزامه الكفّارة، فجعلوا الانتقام هو الإلزام بالكفّارة. وهو مروي عن سعيد بن جبير، وعطاء.
(٢) المصدر السابق: نفس الجزء والصفحة.
(٣) ينظر: جامع البيان: ٥/٥٩ ـ ٦٣.