وقد تولّى الشيخ ـ رحمه الله ـ الإجابة عن القول الثاني ـ كما سبق ـ، وبيّن أنّ معهود القرآن، ولغة العرب تأبى ذلك، ولذا حكم عليه بعض المفسّرين بالشذوذ(١).
٣٧ ـ قوله تعالى: ﴿ يأيّها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم.. ﴾[المائدة: ١٠٥].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذه الآية قولاً وسطاً، فقال:"الاهتداء إنّما يتمّ بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات، لم يضرّه ضلال الضالّ، وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد.. ".
ثمّ قال: " وهنا يغلط فريقان من الناس، فريق يترك ما يجب من الأمر والنهي تأويلاً لهذه الآية، كما قال أبو بكر الصدّيق ـ رضي الله عنه ـ في خطبته: أيّها الناس، إنّكم تقرؤون هذه الآية: ( عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم.. )، وإنّكم تضعونها في غير موضعها، وإنّي سمعت رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يقول: ( إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه، أوشك أن يعمّهم الله بعقاب منه )(٢).
والفريق الثاني: من يريد أن يأمر وينهى، إمّا بلسانه، وإمّا بيده مطلقاً من غير فقه، ولا حلم، ولا صبر، ولا نظر فيما يصلح من ذلك، وما لا يصلح، وما يقدر عليه، وما لا يقدر، كما في حديث أبي ثعلبة الخشني(٣)

(١) ينظر: التحرير والتنوير لابن عاشور: ٥/٢١٨.
(٢) الحديث أخرجه أحمد في المسند: ١/٥، برقم: ١٦، وأبو داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي: ٥/٥٦، برقم:
٤٣٣٨، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ٢/٣٨٠، برقم: ٤٠٥٣، بألفاظ متقاربة. وصحّح إسناده أحمد شاكر: ١/ ١٥٣، ومحقّقو المسند ( الموسوعة الحديثيّة ): ١/ ١٧٨.
(٣) هو الصحابي الجليل جرهم، ـ ويقال: جرثوم ـ بن ناشم، ـ ويقال: ابن ناشب، وناشر ـ، روى عدّة أحاديث
حدّث عن معاذ بن جبل، وأبي عبيدة. وحدّث عنه: أبو إدريس الخولاني، وجبير بن نفير. مات سنة: خمس وسبعين. ( ينظر: سير أعلام النبلاء: ٢/ ٥٦٧، والإصابة: ٤/٢٩ ).


الصفحة التالية
Icon