اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذه الآية: أنّ الأجل الأوّل، هو أجل كلّ عبد الذي ينقضي به عمره. والأجل المسمّى عنده، هو أجل القيامة العامّة.
وحجّته: أنّ الله قيّد الأجل المسمّى بقوله: ( عنده )، فأجل الساعة لا يعلمه إلا هو. بخلاف ما لو أطلق وقال: ( أجل مسمّى )؛ فإنّ هذا قد يعرفه العباد، كما في قوله تعالى: ﴿.. إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّى.. ﴾[البقرة: ٢٨٢](١).
الدراسة، والترجيح:
حاصل الأقوال في معنى هذه الآية أربعة(٢):
؟ الأوّل: ( ثمّ قضى أجلاً ) أي: أجل الدنيا، وهو الموت. ( وأجل مسمّى عنده ): هو البعث. وهذا القول مرويّ عن ابن عبّاس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. وهو الذي اختاره الشيخ.
؟ الثاني: ( ثمّ قضى أجلاً ) أي: أجلاً لكلّ إنسان، وهو ما بين أن يُخلق، إلى أن يموت. ( وأجل مسمّى عنده ) أي: ما بين أن يموت، إلى أن يُبعث. وهذا القول مرويّ عن الحسن، وقتادة، والضحّاك. وهو يرجع إلى ما تقدّم.
؟ الثالث: ( ثمّ قضى أجلاً ): هو النوم، تقبض فيه الأرواح، ثمّ ترجع إلى أصحابها في اليقظة. ( وأجل مسمّى عنده ): هو أجل الموت. وهذا مرويّ عن ابن عبّاس أيضاً.
؟ الرابع: الأجل الأوّل هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم ـ عليه السلام ـ وبقي أجل واحد مسمّى في هذه الحياة الدنيا. وهذا مرويّ عن ابن زيد.
وقد وافق الشيخ في اختياره: الطبريّ(٣)، والزمخشريّ(٤)، والغزنويّ(٥)،

(١) ينظر: مجموع الفتاوى: ١٤/ ٤٨٨.
(٢) ينظر: جامع البيان: ٥/١٤٦ ـ ١٤٨، والمحرّر الوجيز: ٥/١٢٤. وهناك أقوال أخرى كثيرة، أوصلها بعض المفسّرين إلى خمسة عشر قولاً، أعرضت عنها، إمّا لأنّها تعود إلى هذه الأقوال، وإمّا لضعفها. ينظر: البحر المحيط: ٤/٧٦.
(٣) ينظر: جامع البيان: ٥/١٤٨
(٤) ينظر: الكشّاف: ٢/٣.
(٥) ينظر: وضح البرهان في مشكلات القرآن ( دمشق: دار القلم ): ١/ ٣٢٥.
والغزنوي هو نجم الدين أبو القاسم محمود بن أبي الحسن الحسيني النيسابوري، العالم الفاضل، له كتاب إيجاز البيان في معاني القرآن، ووضح البرهان. مات سنة خمس وخمسين وخمس مئة. ( ينظر: طبقات المفسّرين للداودي: ١/ ٤٢٥، والأعلام: ٧/ ١٦٧ ).


الصفحة التالية
Icon