١. أنّ السياق يأباه، فإنّ الله أخبر أنّه خلق الإنسان من طين، ثمّ أخبر أنّه قد ضرب له أجلاً ينتهي إليه، وهو مدّة حياته، والتي منتهاها الموت، ثمّ أجل آخر مسمّى عنده، لا يعلمه إلا هو، وهو موعد البعث والقيامة، فهو نظير قوله تعالى: ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحيكم ثمّ يميتكم ثم يحييكم ثمّ إليه ترجعون ﴾[البقرة: ٢٨](١).
٢. أنّ لفظ الأجل جاء منكّراً، فيدلّ على عموم الأجل، والنوم داخل فيه.
أمّا من قال: إنّ الأجل الأوّل هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم.. فإنّ هذا لا يسمّى أجلاً، ولم يَرد في كتاب الله، ولا في سنّة رسوله، تسميته أجلاً.
ومنشأ الخلاف في ذلك: اختلافهم في معنى القضاء في قوله ( ثمّ قضى )، هل هو بمعنى (قدّر وكتب ) فيكون الأجل المقضيّ قبل خلق آدم من طين، وتكون ( ثمّ ) للترتيب الخبريّ لا الزمنيّ، أي: أخبركم أنّه خلقكم من طين، ثمّ أخبركم أنّه قضى أجلاً.. وإلى هذا ذهب أصحاب القولين الأوّلين.
أو يكون القضاء بمعنى الإيجاد والإظهار، فيكون المقضيّ بعد خلق آدم، وتكون ( ثمّ ) على أصل وضعها: للترتيب الزمنيّ، أي: خلق آدم من طين، ثمّ خلقكم من آدم، وأخذ عليكم الأجل والميثاق.. وإلى هذا ذهب أصحاب القول الرابع(٢).
والمعنى الأوّل هو الأظهر، وذلك أنّ القضاء يطلق على فصل الأمر، قولاً كان أو فعلاً، وهو أخصّ من القدر. فالقدر هو التقدير في الأزل، ويكون سابقاً. والقضاء هو الفصل والقطع عند حدوث المقدّر، فالقدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل. ويشهد لذلك: قوله تعالى: ﴿ وقضي الأمر.. ﴾[هود: ٤٤]، أي: فُصل، تنبيهاً على أنّه صار بحيث لا يمكن دفعه، أو تلافيه(٣).
(٢) ينظر: المحرّر الوجيز: ٥/ ١٢٥، والبحر المحيط: ٤/ ٧٥.
(٣) ينظر: المفردات للراغب: ص ٤٠٦، ٤٠٧، ومجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمّد بن صالح العثيمين، جمع
وترتيب فهد السليمان ( الرياض: دار الثريا ): ٢/٧٩.