٤٠ ـ قوله تعالى: ﴿.. وهو يُطعِم ولا يُطعَم.. ﴾[الأنعام: ١٤].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ في هذه الآية قراءة الجمهور: ﴿ وهو يُطعِم ولا يُطعَم ﴾، بضمّ الياء، وإنّما حمله على ذلك ـ مع ظهور رجحانها ـ: ما ذهب إليه الزجّاج من ترجيح القراءة الأخرى، بفتح الياء الثانية: ﴿ وهو يُطعم ولا يَطعَم ﴾، وأنّها الاختيار عند البصراء بالعربيّة.. والمعنى عنده: وهو يَرزق، ويُطعِم، ولا يأكل(١).
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ بعد نقله قول الزجّاج السابق: " قلت: الصواب المقطوع به، أنّ القراءة المشهورة المتواترة، أرجح من هذه "(٢).
واحتجّ الشيخ بما يلي:
أوّلاً: من جهة اللفظ:
١. أنّ هذه القراءة، هي القراءة المتواترة التي قرأ بها جماهير المسلمين قديماً وحديثاً، وهي قراءة العشرة، وغيرهم.
٢. أنّ القراءة الثانية لو كانت أرجح من هذه، لكانت الأمّة نقلت بالتواتر القراءة المرجوحة. والقراءة التي هي أحبّ القراءتين إلى الله، ليست معلومة للأمّة، ولا مشهوداً بها على الله، ولا منقولة نقلاً متواتراً. فتكون الأمّة قد حفظت المرجوح، ولم تحفظ الأحبّ إلى الله، الأفضل عند الله. وهذا عيب في الأمّة، ونقص فيها.
ثانياً: من جهة المعنى: فيقال: إنّ القراءة المتواترة ـ وهي قراءة الجمهور ـ، أرجح وأظهر وأتمّ، وذلك من وجوه:
١. أنّ معناها موافق لمعنى قوله في الآية الأخرى: ﴿ وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون
* ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين ﴾ [الذاريات: ٥٦ ـ٥٨]، ولو أريد نظير تلك القراءة، لقال: ( فإنّي لا أُطعَم )، ونحو ذلك.
٢. أنّ هذه الآية لم تسق لبيان تنزّهه عن الأكل.. وإنّما سيقت لبيان حاجة الخلق إليه، وإحسانه إليهم، وبيان غناه عنهم، وامتناع إحسانهم إليه. فإنّه يطعمهم، وهم لا يطعمونه. وهذا الوصف، دالّ على المقصود.
(٢) جامع المسائل: ١/١١٢.