٣. أنّ كون الشيء يُطعم غيره، ولا يُطعمه غيره، يوجب المدح. فهذه صفة كمال حيث كانت. وأمّا كون الشيء في نفسه لا يَطعم، ولا يأكل، ولا يشرب، فهذا إنّما يكون مدحاً في حقّ الكامل، المستغني عن الطعام والشراب لكماله، وأمّا من لا يَطعم، ولا يشرب لنقصه، كالجامدات، وكالحيوان المريض، فهذا ليس ممدوحاً بذلك..
٤. أن يقال: قوله: ( وهو يُطعم ) يتناول إطعام الأجساد ما تأكل وتشرب. وإطعام القلوب والأرواح ما تتغذّى به، وتتقوّت به من العلم والإيمان، والمعرفة والذكر، ونحو ذلك.. فإذا قال( وهو يُطعم ولا يُطعم ) تناول القسمين. وإذا قيل ( ولا يَطعم ) لم يكن المراد إلا الأكل والشرب، لم يكن المراد ذكره وعلمه وهدايته. وحينئذٍ فيكون قوله ( وهو يُطعم ) على هذه القراءة، لا يتناول إلا مأكول الجسد ومشروبه، ومعلوم أنّ ذاك أشرف القسمين، فالقراءة التي تتناول القسمين، أكمل من القراءة التي لا تتناول إلاّ أحدهما..(١).
الدراسة، والترجيح:
لم أر أحداً من المفسّرين ـ غير الزجّاج ـ رجّح القراءة الثانيّة، على قراءة الجمهور، بل
منهم من أنكر هذه القراءة، كالطبريّ ـ رحمه الله ـ، فإنّه قال: " ولا معنى لذلك [ أي للقراءة المذكورة ]، لقلّة القرأة بها "(٢).
ومنهم من لم يذكرها أصلاً، كالواحديّ(٣)، والبغويّ(٤).
ومنهم من ذكر القراءتين ولم يرجّح بينهما، وهذا ما جرى عليه أكثر المفسّرين، وأهل المعاني واللغة، لكنّ ظاهر صنيعهم تقديم قراءة الجمهور(٥).

(١) ينظر: جامع المسائل: ١/ ١١٤ ـ ١٤٠. وقد أطال الشيخ ـ رحمه الله ـ في بيان هذه الوجوه، وإنّما ذكرتها
مختصرة بما يناسب المقام.
(٢) جامع البيان: ٥/ ١٥٩.
(٣) ينظر: الوجيز: ١/ ٣٤٧.
(٤) ينظر: معالم التنزيل: ٣/ ١٣٢.
(٥) ينظر: الكشّاف: ٢/٦، والمحرّر الوجيز: ٥/ ١٤٣، وزاد المسير: ص٤٢٨، وأنوار التنزيل: ٢/٣٩٦.


الصفحة التالية
Icon