اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ التكذيب المنفيّ في هذه الآية، هو التكذيب القلبي.
وحجّته: أنّ الله " نفى عنهم التكذيب، وأثبت الجحود. ومعلوم أنّ التكذيب باللسان لم يكن منتفياً عنهم، فعلم أنّه نفى عنهم تكذيب القلب "(١).
الدراسة، والترجيح:
حاصل الأقوال في هذه الآية خمسة(٢):
؟ الأوّل: لا يكذّبونك بقلوبهم، لأنّهم يعلمون أنّك صادق. وهو الذي اختاره الشيخ.
؟ الثاني: لا يكذّبونك بحجّة، وإنّما هو تكذيب عناد وبهت. قاله قتادة والسدّيّ.
؟ الثالث: لا يقولون لك: إنّك كاذب، لعلمهم بصدقك. ولكن يكذّبون ما جئت به. قاله ناجية بن كعب(٣).
؟ الرابع: لا يكذّبونك في السرّ، ولكن يكذّبونك في العلانية، عداوة لك.
؟ الخامس: لا يقدرون أن يقولوا فيما أنبأت به ممّا في كتبهم، كذبت.
أمّا القول الخامس، فهو خاصّ بأهل الكتاب ـ كما يظهر ـ وهو بعيد عن معنى الآية، لأنّ السورة مكيّة، والحديث إنّما هو عن المشركين، وليس لهم كتاب أصلاً. وإن كان أهل الكتاب قد يصدر منهم مثل هذا التكذيب.
وأمّا الأقوال الأخرى، فالمتأمّل فيها يجد أنّها متقاربة، بل لا تخرج عمّا ذهب إليه الشيخ من أنّ التكذيب المنفيّ، هو تكذيب القلب.
وعامّة المفسّرين يذكرون هذه الأقوال، أو بعضها، منهم ابن عطيّة ـ رحمه الله ـ لكنّه ختم هذه الأقوال بقوله: " وجميع ما في هذه التأويلات، من نفي التكذيب، إنّما هو عن اعتقاداتهم، وأمّا أقوالهم جميعهم، فمكذّبة، إمّا له، وإمّا للذي جاء به "(٤).
وتابعه أبو حيّان، فذكر نحواً من ذلك(٥).

(١) التسعينيّة: ٢/ ٦٧٠.
(٢) ينظر: زاد المسير: ص٤٣٤.
(٣) ناجية بن كعب الأسديّ، تابعيّ ثقة. روى عن عليّ، وابن مسعود. روى عنه: أبو إسحاق، وأبو حسّان الأعرج.
( ينظر: التاريخ الكبير: ٨/ ١٠٧، ومعرفة الثقات: ٢/ ٣٠٨ ).
(٤) المحرّر الوجيز: ٥/١٨٣.
(٥) ينظر: البحر المحيط: ٤/١١٧.


الصفحة التالية
Icon