ويشهد لذلك، ما أخرجه الترمذيّ، وغيره، عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال أبو جهل للنبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ : إنّا لا نكذبك، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله: ﴿.. فإنّهم لا يكذبونك ولكنّ الظلمين بايت الله يجحدون ﴾(١).
وإنّما أراد الشيخ ـ رحمه الله ـ الردّ على طائفة من المتكلّمين، زعموا أنّ الإيمان مجرّد التصديق والعلم فقط دون العمل. وأنّ كلّ من حكم الشارع بأنّه كافر مخلّد في النار، فلأنّه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق(٢).
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بأنّه مخالف للحسّ والعقل والشرع، وما أجمع عليه أصحاب الفطر السليمة، وجماهير النظّار.
قال ـ رحمه الله ـ مبيّناً ذلك: " فإنّ الإنسان قد يعرف أنّ الحقّ مع غيره، ومع هذا يجحد ذلك لحسده إيّاه، أو لطلب علوّه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه، ويردّ ما يقول بكلّ طريق، وهو في قلبه يعلم أنّ الحقّ معه. وعامّة من كذّب الرسل، علموا أنّ الحقّ معهم، وأنّهم صادقون، لكن إمّا لحسدهم، وإمّا لإرادتهم العلوّ والرياسة، وإمّا لحبّهم دينهم الذي كانوا عليه، وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال، ورياسة، وصداقة أقوام، وغير ذلك، فيرون في اتّباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذّبونهم، ويعادونهم، فيكونون من أكفر الناس، كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنّهم على الباطل، والرسل على الحقّ "(٣).

(١) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأنعام: ص٨٥١، برقم: ٣٠٧٤.
(٢) ممّن قال بذلك: أبو الحسن الأشعريّ ـ رحمه الله ـ وتبعه أكثر أصحابه. وأصل هذا القول، هو قول الجهم بن صفوان. وقد رجع أبو الحسن عن هذا القول، وقال بقول أهل السنّة والجماعة. ( ينظر: الإبانة عن أصول الديانة: ص١١ ).
(٣) مجموع الفتاوى: ٧/ ١٩١.


الصفحة التالية
Icon