قال الواحديّ ـ رحمه الله ـ في بيان معنى الآية: " ما تركنا في الكتاب من شيء، بالعباد إليه حاجة، إلا وقد بيّناه، إمّا نصّاً، وإمّا دلالة، وإمّا مجملاً، وإمّا مفصّلاً، كقوله: ﴿ ونزّلنا عليك الكتب تبيناً لكلّ شي ء.. ﴾[النحل: ٨٩]، أي: لكلّ شيء يُحتاج إليه من أمر الدين"(١).
واقتصر بعض المفسّرين على ذكر القولين دون ترجيح(٢).
وما اختاره الشيخ ومن وافقه، أولى بتفسير الآية، وذلك لوجهين:
؟ أحدهما: أنّ هذه الآية شبيهة بآية هود: ﴿ وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرّها ومستودعها كلّ في كتب مبين ﴾[ هود: ٦ ]، فهي كالتفسير لها. وقد اتّفق المفسّرون جميعاً على أنّ المراد بالكتاب المبين في هذه الآية: اللوح المحفوظ.
؟ الثاني: دلالة السياق؛ فإنّه لمّا ذكر الدوابّ والطيور، وأنّها أمم أمثالنا، قال: ﴿ ما فرّطنا في الكتب من شي ء.. ﴾، ثمّ ختم الآية بقوله: ﴿ ثمّ إلى ربّهم يحشرون ﴾، فدلّ على أنّ المقصود بقوله: ( من شيء ): أحوال المخلوقات، من الدوابّ والطير، وأنّها معلومة عنده ـ سبحانه ـ ومقدّرة، بما أودع فيها من الحكم والآيات(٣).
وهذا خلاف ما زعمه ابن عطيّة وأبو حيّان من دلالة السياق على أنّ الكتاب هو القرآن.
وأمّا قوله تعالى: ﴿ ونزّلنا عليك الكتب تبيناً لكلّ شي ء.. ﴾، فهو خلاف ما دلّت عليه هذه الآية، إذ إنّ السياق يدلّ على أنّ المراد بالكتاب هو القرآن، لتصريحه بالتنزيل.

(١) ١١) الوجيز: ١/ ٣٥٢.
(٢) ينظر: أنوار التنزيل: ٢/ ٤٠٦، ومدارك التنزيل: ١/ ٣٢١.
(٣) ينظر: التحرير والتنوير: ٦/ ٩٠.


الصفحة التالية
Icon