واختار هذا القول: الطبريّ، فإنّه قال بعد أن ذكر الأقوال الأخرى: " وفي خبر الله ـ تعالى ـ عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: ﴿ لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضالّين ﴾ الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصواب من القول في ذلك: الإقرار بخبر الله ـ تعالى ـ الذي أخبر به عنه، والإعراض عمّا عداه "(١).
وحجّة من قال بالثالث: هي حجّة من قال بالثاني، من تنزيه نبيّ الله إبراهيم عن الشرك، لكنّهم قالوا: إنّ إضمار الاستفهام لا يصحّ من جهة اللغة، لأنّ الاستفهام لا يكون إلا بحرف، أو يكون في الكلام ( أم )، فالقول بذلك شذوذ، وألفاظ القرآن منزّهة عن ذلك. والأولى أن يقال: إنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال ما قال على جهة التقرير لقومه، والتوبيخ لهم، وإقامة الحجّة عليهم في عبادة الكواكب، كأنّه قال: هذا ربّي على زعمكم، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿ أين شركاءي.. ﴾[النحل: ٢٧]، فإنّ الله ـ تعالى ـ ليس له شريك، وإنّما المقصود: على زعمكم.
أو يكون المعنى: فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً يقولون: هذا ربّي. ثمّ حذف القول، نظير قوله تعالى: ﴿.. والملئكة يدخلون عليهم من كلّ باب * سلم عليكم.. ﴾[الرعد: ٢٣، ٢٤]، أي: يقولون: سلام عليكم.
والراجح ـ والله تعالى أعلم ـ هو القول الأوّل، وهو الذي اختاره الطبريّ ـ رحمه الله ـ، وهو ظاهر اختيار الشيخ، وهو أنّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ كان ناظراً، وليس مناظراً، وذلك لما يلي:
١. أنّ هذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية، وأمّا الإضمار والتقدير، فهو خلاف الأصل.
٢. دلالة السباق واللحاق. أمّا السباق، فإنّ الله سبحانه قال قبل حكاية هذه القصّة: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ﴾، وفي هذا دليل على أنّه كان ناظراً، ولم يك مناظراً. وقوله: ( وليكون من الموقنين ) دليل على أنّه لم يكن كذلك من قبل.