قال الجصّاص: " وفيما أخبر الله ـ تعالى ـ به عن إبراهيم ـ عليه السلام ـ، وقوله عقيب ذلك: ﴿ وتلك حجّتنا ءاتينها إبرهيم على قومه.. ﴾[الأنعام: ٨٣] أوضح الدلالة على وجوب الاستدلال على التوحيد، وعلى بطلان قول الحشو(١)، القائلين بالتقليد، لأنّه لو جاز لأحد أن يكتفي بالتقليد، لكان أولاهم به إبراهيم ـ عليه السلام ـ، فلمّا استدلّ إبراهيم على توحيد الله، واحتجّ به على قومه، ثبت بذلك أنّ علينا مثله. وقد قال في نسق التلاوة عند ذكره إيّاه مع سائر الأنبياء: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.. ﴾[الأنعام: ٩٠]، فأمرنا الله ـ تعالى ـ بالاقتداء به في الاستدلال على التوحيد، والاحتجاج به على الكفّار ".
ثمّ قال بعد ذلك مقرّراً عقيدته: ".. ومن حيث دلّت أحوال هذه الكواكب على أنّها مخلوقة غير خالقة، ومربوبة غير ربّ، فهي دالّة أيضاً على أنّ من كان في مثل حالها في الانتقال والزوال، والمجيء والذهاب، لا يجوز أن يكون ربّاً خالقاً، وأنّه يكون مربوباً، فدلّ على أنّ الله ـ تعالى ـ لا يجوز عليه الانتقال ولا الزوال، ولا المجيء ولا الذهاب، لقضية استدلال إبراهيم ـ عليه السلام ـ بأنّه من كان بهذه الصفة، فهو محدث. وثبت بذلك أنّ من عبد ما هذه صفته، فهو غير عالم بالله ـ تعالى ـ، وأنّه بمنزلة من عبد كوكباً، أو بعض الأشياء المخلوقة "(٢).
(٢) أحكام القرآن: ٣/ ٣، ٤.