وهذا الذي قرّره، من نفي صفة المجيء ونحوها من الصفات، مخالف لما ثبت في الكتاب والسنّة الصحيحة الثابتة، من إثبات هذه الصفة. فأمّا الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿ وجاء ربّك والملك صفاً صفاً ﴾[الفجر: ٢٢]. وأمّا السنّة؛ فما ثبت في الصحيح من نزول الله ـ تعالى ـ إلى السماء الدنيا، وأنّه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء. واستدلال الجصّاص بقصّة إبراهيم، وقوله ( لا أحبّ الآفلين ) على نفي الصفات، هو من اتّباع المتشابه، الذي ذمّ الله أهله بقوله: ﴿.. فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.. ﴾[آل عمران: ٧]. ولذا وقعوا في التأويل المذموم، ونفوا ما أثبته الله لنفسه بتأويلات باطلة، حتّى انتهى بهم الحال إلى ما ذكره الجصّاص من زعمه أنّ من عبد مَنْ صفته المجيء والذهاب.. فهو غير عالم بالله، بل هو بمنزلة مَن عبد كوكباً، أو بعض الأشياء المخلوقة. وهذا الزعم في غاية الشناعة، إذ هو اتّهام لسلف الأمّة المثبتين للصفات، بأنّهم لم يكونوا عالمين بالله، وأنّهم ما كانوا يعبدون إلا غيره.
وقد بيّن الشيخ ـ رحمه الله ـ بطلان استدلالهم بهذه الآية ـ كما سبق ـ بما لا مزيد عليه، كما نقل ـ رحمه الله ـ أقوال السلف في الردّ عليهم(١).
٤٨ ـ قوله تعالى: ﴿ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربّي شيئاً.. ﴾ [الأنعام: ٨٠].
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ الاستثناء في هذه الآية منقطع، والمعنى عنده: " لكن إن شاء ربّي شيئاً كان، فأنا أخاف ربّي "(٢).
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ في اختياره: الطبريّ(٣)، والواحديّ(٤)، والكرمانيّ(٥).

(١) ينظر كتابه القيّم: درء تعارض العقل والنقل، الجزء الثاني، ص١٤٩، وما بعدها.
(٢) الاستغاثة: ١/ ١٦١. وينظر: الإخنائيّة أو الردّ على الإخنائي ( جدّة: دار الخرّاز ): ص٣٤٩.
(٣) ينظر: جامع البيان: ٥/ ٢٤٨.
(٤) ينظر: الوجيز: ١/ ٣٦٣.
(٥) ينظر: غرائب التفسير: ١/ ٣٦٩.


الصفحة التالية
Icon