عامّة المفسّرين لم يذكروا هذا القول الذي أنكره الشيخ ـ رحمه الله ـ، ولا أشاروا إليه مجرّد إشارة(١)، وإنّما يذكره بعض أئمّة الصوفيّة، ويحتجّون به على ما ذكر الشيخ عنهم. وقد ذكر الشيخ أنّ ابن عربيّ المعظّم عند الصوفيّة صنّف كتاباً سمّاه ( كتاب الهو )، كما ذكر عن بعضهم أنّ قوله تعالى: ﴿.. وما يعلم تأويله إلاّ الله.. ﴾[ آل عمران: ٧ ] معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو ( الهو ) إلاّ الله(٢).
ويذكر أنّ أوّل من ابتدع هذه البدعة أبو حامد الغزاليّ، فإنّه قال: " لا إله إلاّ الله توحيد العوامّ، ولا هو إلاّ هو توحيد الخواصّ، لأنّ ذلك أعمّ، وهذا أخصّ وأشمل وأدقّ، وأدخل بصاحبه في الفردانيّة المحضة، والوحدانيّة الصرفة.. "(٣).
وقال أيضاً: " فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر، وفاض على صدورهم النور لا بالتعلّم والدراسة والكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا، والتبري من علائقها.. "
إلى أن قال: " ثمّ يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب، مجموع الهمّ، ولا يفرّق فكره بقراءة قرآن، ولا بالتأمّل في تفسير، ولا بكتب حديث ولا غيره، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى الله تعالى، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلاً بلسانه: الله الله على الدوام، مع حضور القلب، حتّى ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللسان.. "(٤)إلى آخر ما ذكر.
وقد توارث الصوفية هذه البدعة إلى وقتنا الحاضر، وهم يرونها من أفضل القرب.
وهذا القول كما ذكر الشيخ، في غاية البطلان، ولا تدلّ عليه الآية بأي وجه من الوجوه

(١) ممّن أشار إليه وأنكره: الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: ٢/ ١٥٦.
(٢) ينظر: الفتاوى الكبرى: ٢/ ٤٠٦.
(٣) مشكاة الأنوار في توحيد الجبّار: ص ٦٣. وينظر: هذه هي الصوفيّة: ص ٧٦.
(٤) إحياء علوم الدين: ٣/ ١٩. وينظر: الفكر الصوفيّ في ضوء الكتاب والسنّة: ص ٢٧٢.


الصفحة التالية
Icon