وذهب الجصّاص إلى أنّ الإدراك بمعنى الرؤية، ولا يجوز أن يكون بمعنى الإحاطة، وذكر أنّ " الأخبار المرويّة في الرؤية، إنّما المراد بها العلم لو صحّت، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة، ولا تعرض فيه الشكوك، لأنّ الرؤية بمعنى العلم، مشهورة في اللغة "(١).
ووافقه الزمخشريّ على نفي الرؤية، فقال عند تفسير هذه الآية: " المعنى أنّ الأبصار لا تتعلّق به، ولا تدركه، لأنّه متعال أن يكون مبصراً في ذاته، لأنّ الأبصار إنّما تتعلّق بما كان في جهة أصلاً، أو تابعاً، كالأجسام والهيئات "(٢).
وثمة قول رابع يذكره بعض المفسّرين في جملة الأقوال في الآية(٣)، وهو أنّ المراد بالأبصار: الأذهان والأفهام، أو العقول. وهو قول أبي الحصين يحيى بن الحصين(٤)، قارىء أهل مكّة(٥)، ولم أر ـ حسب اطّلاعي ـ أحداً من المفسّرين اختار هذا القول.
وحجّة من قال: إنّ الآية مخصوصة بالدنيا:
١. قوله تعالى: ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ﴾[القيامة: ٢٢، ٢٣]، فقيّد النظر إليه بيوم القيامة، وأطلق في هذه الآية. والمطلق يحمل على المقيّد(٦).
٢. ما روي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنّه قال: " لا تدركه الأبصار في الدنيا، ويراه المؤمنون في الآخرة "(٧).
وحجّة نفاة الرؤية(٨):

(١) ينظر: أحكام القرآن: ٣/ ٤.
(٢) الكشّاف: ٢/ ٣٢.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٥٥.
(٤) لم أقف على ترجمة له.
(٥) واختاره ـ من المتأخرين ـ: المناوي في كتابه: التوقيف على مهمّات التعاريف ( بيروت دار الفكر ): ١/ ١٣٣. وأنكره ابن كثير في تفسيره (٢/١٦١)، وقال: " وهذا غريب جدّاً، وخلاف ظاهر الآية، وكأنّه اعتقد أنّ الإدراك في معنى الرؤية ".
(٦) ينظر: زاد المسير: ص ٤٥٩.
(٧) رواه أبو صالح عنه. ينظر: زاد المسير: ص٤٥٩، والجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٥٤.
(٨) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: ٣/ ٤، والكشّاف: ٢/ ٣٢.


الصفحة التالية
Icon