١. أنّ الإدراك أصله اللحوق، نحو قولك: أدرك زمان المنصور، وأدرك أبا حنيفة.. ، إدراك البصر للشيء، لحوقه له برؤيته إيّاه. ولا خلاف بين أهل اللغة أنّ قول القائل: أدركت ببصري شخصاً، معناه: رأيته ببصري. ولا يجوز أن يكون الإدراك: الإحاطة. لأنّ البيت محيط بما فيه، وليس مدركاً له.
٢. أنّ قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصر ﴾ معناه: لا تراه الأبصار. وهذا تمدّح بنفي رؤية الأبصار، كقوله تعالى: ﴿ لا تأخذه سِنة ولا نوم ﴾[البقرة: ٢٥٥]، وما تمدّح الله بنفيه عن نفسه، فإنّ إثبات ضدّه ذمّ ونقص. فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سنة ولا نوم، لم يبطل إلا إلى صفة نقص. فلمّا تمدّح بنفي رؤية البصر عنه، لم يجز إثبات ضدّه ونقيضه بحال، إذا كان فيه إثبات صفة نقص.
٣. أنّ البصر هو الجوهر اللطيف الذي ركّبه الله في حاسّة النظر، به تدرك المبصرات، فالمعنى: أنّ الأبصار لا تتعلّق به، ولا تدركه.. لأنّ الأبصار إنّما تتعلّق بما كان في جهة أصلاً، أو تابعاً كالأجسام والهيئات.
واستدلّوا بأدلّة أخرى، كقوله تعالى لموسى ـ عليه السلام ـ: ﴿ لن تراني ﴾(١).
وأجابوا عمّن قال بتخصيص الآية بقوله تعالى:﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ﴾[القيامة: ٢٢، ٢٣]: بأنّ النظر في هذه الآية محتمل لمعان، منها: انتظار الثواب، كما روي عن جماعة من السلف، فلمّا كان ذلك محتملاً للتأويل، لم يجز الاحتجاج به على التخصيص(٢).
وأمّا من قال بأنّ المراد بالأبصار: الأذهان والأفهام، أو العقول، فاستدلّ بما روي عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال: " التوحيد ألا تتوهّمه "، وما روي عنه أيضاً: " كلّ ما أدركته
فهو غيره "(٣).

(١) ينظر: حجج القرآن لأبي الفضائل الرازي ( بيروت: دار الرائد العربي ): ١/ ٦٩.
(٢) ينظر: أحكام القرآن للجصّاص: ٣/ ٥.
(٣) ينظر: التوقيف للمناوي: ١/ ١٣٣. ولم أقف على تخريج هذين الأثرين.


الصفحة التالية
Icon