والراجح: ما ذهب إليه الشيخ من التفريق بين الإدراك والرؤية، وهذا هو الذي تدلّ عليه آيات الكتاب العزيز، كقوله تعالى: ﴿ حتّى إذا أدركه الغرق.. ﴾[يونس: ٩٠]، أي: أحاط به(١).
فالله ـ عزّ وجلّ ـ لا تدركه الأبصار، أي: لا تحيط به لعظمته، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، أمّا رؤيته ـ سبحانه ـ في الآخرة، فهي ثابتة من غير إحاطة. وأمّا في الدنيا، فلم تثبت لأحد من الخلق، إلا ما كان من سؤال موسى ـ عليه السلام ـ ربّه الرؤية، فقال الله له: ( لن تراني ). واستدلّ السلف ـ رحمهم الله ـ بهذه الآية على إمكان الرؤية، لأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لم يقل لموسى: ( إنّي لا أُرى )، وكذلك لم ينكر عليه هذا السؤال، كما أنكر على نوح ـ عليه السلام ـ قوله: ﴿.. إنّ ابني من أهلي..﴾[هود: ٤٥]، فقال له: ﴿.. إنّه ليس من أهلك ﴾[هود: ٤٦]. لكنّ الله أراد أن يبيّن لموسى مقدار ضعفه أمام عظمة الله تعالى، وأنّ الجبل الأشمّ لا يثبت لتجلّيه ـ سبحانه ـ فكيف ببشر ضعيف!.
فإن قيل: فكيف إذاً يرونه في الآخرة؟ فالجواب: أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يخلق في أوليائه آنذاك قوّة مستعدّة للنظر إلى وجهه ـ عز وجلّ ـ، وبهذا تجتمع نصوص الكتاب والسنّة وتأتلف(٢).

(١) ينظر: جامع البيان: ٦/ ٦٠٤.
(٢) ينظر: زاد المسير: ص٥١٧. وينظر: منهاج السنّة: ١/ ٢١٧، وشرح الطحاويّة في العقيدة السلفيّة لأبي العزّ الحنفي ( الرياض، وزارة الشؤون الإسلاميّة ): ص ١٥٦، ١٥٧، ومعارج القبول بشرح سلّم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد للحكمي ( الدمام: دار ابن القيّم ): ١/ ٣٦١، ٣٦٢.


الصفحة التالية
Icon