وما روي عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنه ـ إن صحّ، فإنّه لا يدلّ على نفي الإدراك في الآخرة، بل فيه التفريق بين الإدراك والرؤية.
وأمّا من قال: إنّ الإدراك بمعنى الرؤية، ولا يجوز أن يكون بمعنى الإحاطة، وبنوا على ذلك نفي الرؤية مطلقاً، فيجاب عمّا ذكروه من الأدلّة بما يلي:
١. قولهم: إنّ إدراك البصر للشيء يعني لحوقه له برؤيته إيّاه.. غير مسلّم، بل هو مردود بكتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ، فقد قال الله ـ تعالى ـ في قصّة موسى ـ عليه السلام ـ: ﴿ فلمّا ترءا الجمعان قال أصحب موسى إنّا لمدركون * قال كلا إنّ معي ربي
سيهدين ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، فأثبت الرؤية في الآية الأولى، ونفى الإدراك في الثانية، وفي هذا دليل واضح على أنّ مطلق الرؤية لا يعني الإدراك(١).
وقولهم: لا خلاف بين أهل اللغة أنّ قول القائل: أدركت ببصري شخصاً، معناه: رأيته ببصري.. لا إشكال فيه، لأنّ الإدراك أعمّ من الرؤية. وإنّما الإشكال في مثل قول القائل: رأيت البحر، فهل يعني هذا أنّه أدركه من كلّ جوانبه. وكذا قول القائل: رأيت السماء. وبمثل هذا احتجّ الحبر ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ لمّا سأله سائل عن ذلك، فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: أكلّها ترى؟ قال: لا(٢).
وقولهم: لا يجوز أن يكون الإدراك بمعنى الإحاطة.. يجاب عنه بأنّ الحبر قد فسّر الإدراك بالإحاطة(٣)، وهو أعلم بتفسير القرآن، ومعاني اللغة. وعليه دلّت آيات القرآن ـ كما سبق ـ.
(٢) ينظر: المصدر السابق: ١١/ ٥١٤. وقد نسب القول إلى عكرمة. ونسبه الشيخ إلى ابن عبّاس كما في منهاج السنّة: ١/ ٢١٦.
(٣) ينظر: جامع البيان: ٥/ ٢٩٤، والدرّ المنثور في التفسير المأثور ( بيروت: دار الفكر ): ٣/ ٣٣٥.