وكذلك قولهم: إنّ البيت محيط بما فيه، وليس مدركاً له.. فهو مردود عليهم، لأنّ الإدراك إنّما يوصف به ما كان متحرّكاً بذاته، أمّا ما كان ثابتاً، فلا يصدق عليه هذا الوصف. ألا ترى أنّك تقول: فلان أدركه الليل، وأدركه العدوّ، أي: لحقه وأحاط به. ولا تقول: أدركه الثوب، إذا لبسه. ومن ذلك : قوله تعالى عن فرعون: ﴿ حتّى إذا أدركه الغرق.. ﴾[يونس: ٩٠]، أي: أحاط به، لكون الغرق إنّما نتج عن حركة الماء.
وبهذا يجاب عن دليلهم الثاني، وهو قولهم: إنّه تمدّح بنفي رؤية الأبصار.. الخ، لأنّهم إنّما بنوا ذلك على أنّ الإدراك بمعنى الرؤية.
٢. قولهم: إنّ الأبصار إنّما تتعلّق بما كان في جهة أصلاً.. هذا أيضاً مبني على أنّ الإدراك بمعنى الرؤية، وقد سبق الجواب عن ذلك.
أمّا مسألة الجهة، فيجاب عمّا ذكروه بأحاديث الرؤية، وفيها: " إنّكم سترون ربّكم، كما ترون هذا القمر.. "(١). وليس في ذلك تشبيه، لأنّه إنّما شبّه الرؤية بالرؤية، ولم يشبّه المرئي بالمرئي، فالكاف في قوله: " كما ترون " مصدرية، وتقدير الكلام: ( كرؤيتكم القمر ليلة البدر )(٢).
والحديث هنا ليس عن الرؤية، إنّما عن معنى قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾، لكنّهم لمّا فسّروا الإدراك بالرؤية، بنوا على ذلك نفي الرؤية.
٣. استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ لن تراني ﴾، سبق الجواب عنه قريباً في الردّ على من قال: إنّ نفي الإدراك إنّما هو في الدنيا.

(١) سبق تخريجه قريباً.
(٢) ينظر: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك ( بيروت: دار الكتب العلمية ): ص ٨٨، ٨٩، ولمعة الاعتقاد لموفق الدين ابن قدامة ( بيروت: المكتب الإسلامي ): ص٢٣، وشرح العقيدة الواسطية لمحمّد بن عثيمين ( الدمام: دار ابن الجوزي ): ١/ ١٠٧.


الصفحة التالية
Icon