٤. جوابهم عمّن قال بتخصيص الآية بقوله تعالى: ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ﴾ [ القيامة: ٢٢، ٢٣]، بأنّ النظر في هذه الآية محتمل لمعان منها: انتظار الثواب.. نحن نوافقهم على القول بعدم التخصيص، وأنّ نفي الإدراك على إطلاقه. لكن لا نوافقهم على ما ذكروه من أنّ النظر في الآية محتمل لمعان، منها: انتظار الثواب.. لأنّ القول بأنّ النظر في الآية بمعنى انتظار الثواب، في غاية الضعف. والآية لا تحتمله، وذلك من وجوه(١):
؟ أحدها: اقترانه بذكر الوجه، وذلك يقتضي النظر بالعين، كما قال تعالى: ﴿ قد نرى تقلّب وجهك في السماء..﴾[البقرة: ١٤٤].
؟ الثاني: تعديته بـ ( إلى )، ولو كان المراد: الانتظار، لعدّي بنفسه، كما قال تعالى: ﴿ ما ينظرون إلا صيحة واحدة.. ﴾[يس: ٤٩]، وقال: ﴿ وإنّي مرسلة إليهم بهديّة فناظرة بم يرجع المرسلون ﴾[النمل: ٣٥]. ولا يعرف عند العرب النظر معدّى بـ ( إلى ) بمعنى الانتظار.
؟ الثالث: أنّ ظاهر الآية صريح في إثبات النظر بالعين، والقول بخلاف هذا الظاهر يحتاج إلى دليل، ولا دليل، بل الأدلّة كلّها تدلّ على إثبات هذا النظر.
؟ الرابع: إذا جاز لهم هذه الدعوى، جاز لغيرهم أن يدّعوها في قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾، فيقولوا: لا تدرك غيره، ولم يُرِد أنّها لا تدركه. وإذا لم يجز ذلك، لم يجز هذا.
؟ الخامس: لو كان المعنى: منتظرة ـ كما قالوا ـ لما ناسب أن تكون ( ناضرة )، لأنّ المنتظر يبدو على وجهه الحزن والترقب، لأنّه متوقّع شيئاً لم يحصل له، والوجه الناضر خلاف ذلك.
؟ السادس: أن يقال: ليس في شيء من أمر الجنّة انتظار، لأنّ الانتظار لا يخلو من تنغيص وتكرير، وذلك منزّه عنه أهل الجنّة.

(١) ينظر: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لأبي عبيد الله بن بطّة: ٣/ ٧٢، ٧٣، والاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأهل الحديث للبيهقي ( بيروت: عالم الكتب ): ص٧٤، ٧٥.


الصفحة التالية
Icon