هذه ستّة أوجه، كلّها تدلّ على أنّ النظر في الآية المذكورة، لا يجوز أن يكون بمعنى الانتظار.
أمّا ما ذكروه من أنّ هذا القول مرويّ عن جماعة من السلف، فهو لم يرو إلا عن مجاهد ـ رحمه الله ـ، فإنّه قال: " تنتظر ثواب ربّها "، وقوله هذا ـ إن صحّ عنه ـ لا حجّة لهم فيه، لأنّ مجاهداً لم يصرّح بنفي الرؤية، فيحمل قوله على أنّ المؤمنين ـ مع ثبوت رؤيتهم لربّهم ـ ينتظرون ثوابه. ولا ثواب أعظم من النظر إلى وجهه الكريم ـ تبارك وتعالى ـ(١).
وقد يقال: إنّ مجاهداً ـ رحمه الله ـ خالف السلف في هذه المسألة، كما خالفهم في مسائل أخرى، فيكون قوله هذا خارجاً عن أقوال السلف(٢).

(١) ينظر: الردّ على الجهميّة للدارمي: ١/ ١٢٨. وقد ورد عن مجاهد التصريح بنفي الرؤية في الآخرة في أثرين، ذكرهما ابن جرير في تفسيره: ( ١٢/ ٣٤٣، ٣٤٤ )، من طريق شيخه محمّد بن حميد الرازي، وهو ضعيف كما قال ابن حجر في التقريب: ٢/ ١٥٦. وقال في هدي الساري ( بيروت: دار المعرفة ): ( ص٣٥٤ ): " لا يحتجّ به ". وفي الفتح ( ١/ ٤٣٥) قال: " فيه مقال ". وضعّفه الهيثمي كما في مجمع الزوائد: (٥/ ٤٧). والكناني في مصباح الزجاجة ( بيروت: دار العربية ): ( ٣/ ٧٤). بل رمي بالكذب كما عند ابن حبّان في المجروحين ( حلب: دار الوعي ): ٢/ ٣٠٣.
(٢) خالف مجاهد السلف في بعض المسائل، وهي مسائل معدودة، لا ترقى إلى أن تكون منهجاً يحسب على مجاهد، وإنّما هي من قبيل الزلات والأخطاء الفردية التي لا تحسب على منهج السلف، ومن ذلك:
١.... تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فقلنا لهم كونوا قردة خسئين ﴾[البقرة: ٦٥]، قال: " لم يمسخوا. إنّما هو مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفاراً " ( جامع البيان: ١/٣٧٣ ).
٢.... تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فأمّا من ثقلت مو زينه ﴾[القارعة: ٦]، قال: " ليس ميزان. إنّما هو مثلٌ ضُرب " ( جامع البيان: ١٢/ ٦٧٦ ). ينظر: التفسير اللغويّ للقرآن الكريم لمساعد الطيار ( الدمام: دار ابن الجوزي ): ص٥١١.


الصفحة التالية
Icon