أمّا الذين قالوا: إنّ المراد بالأبصار: الأذهان والأفهام.. ، فذلك بعيد من وجوه:
؟ أحدها: أنّه خلاف ظاهر الآية، والأصل إجراء الآية على ظاهرها.
؟ الثاني: أنّ معهود القرآن: إطلاق لفظ الأبصار، وإرادة الأبصار المعروفة، وهي العيون المبصرة، وقد يرد لفظ الأبصار، ويراد به كلا المعنيين، مثل قوله تعالى: ﴿.. إنّ في ذلك لعبرة لأولي الأبصر ﴾[آل عمران: ١٣](١)، ولكنّ ذلك إنّما يرد في سياق المدح للمؤمنين، ولذا يذمّ الله الكفّار بأنّهم: ﴿.. لهم أعين لا يبصرون بها.. ﴾ [ الأعراف: ١٧٩]،﴿.. فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا أفئدتهم من شي ء.. ﴾[الأحقاف: ٢٦]، ولا يصحّ قصر المعنى في هذه الآيات على أحد المعنيين، لأنّ الرؤية البصريّة هنا مقصودة، ولذا قال في آية آل عمران: ﴿.. يرونهم مثليهم رأي العين..﴾، فختم الآية بقوله: ﴿.. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصر ﴾، أمّا حين تمتنع الرؤية البصرية، فإنّ الله يعبّر عن ذلك بلفظ ( الألباب )، كما قال ـ سبحانه ـ معقّباً على قصّة يوسف ـ عليه السلام ـ: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألبب..﴾ [يوسف: ١١١]، أي العقول والأفهام(٢).
أمّا الأثر المرويّ عن عليّ ـ رضي الله عنه ـ: " التوحيد ألا تتوهمه "، فهو ـ إن صحّ عنه ـ لا يصلح تفسيراً لمعنى الأبصار في الآية، وإنّما هو تفسير لمعنى التوحيد في أسماء الله وصفاته، لأنّ من توهّم صورة لله ـ تعالى ـ فلا بدّ أن يقع في الشرك، وتشبيه الله بشيء من مخلوقاته المشاهدة، إذ الإنسان إنّما يتوهّم ما انطبع في قلبه ممّا شاهده ببصره، فعاد الأمر إلى الرؤية البصرية.
(٢) ينظر: جامع البيان: ٧/ ٣٢٤، وغريب القرآن المسمّى بنزهة القلوب لأبي بكر السجستاني ( بيروت: دار الرائد العربي ): ص٥.