قال ـ رحمه الله ـ: " فالجنّ والإنس قد استمتع بعضهم ببعض، فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، في أمور كثيرة، كلّ منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على غرضه. والسحر والكهانة من هذا الباب "(١).
وقال قبل ذلك في تعريف الاستمتاع: " قلت: الاستمتاع بالشيء هو أن يتمتع به، فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه.."(٢).
وما ذكره الشيخ من اختلاف السلف في هذه الآية، هو من قبيل اختلاف التنوع، لا اختلاف التضادّ. وهو غالب اختلافهم في التفسير كما بيّن ذلك الشيخ في مقدمته(٣).
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ في اختياره: ابنَ عطيّة ـ رحمه الله ـ، فإنّه لمّا ذكر قول الطبري في تفسير الاستمتاع ببعض صوره؛ عقّب على ذلك بقوله: " وهذا مثال في الاستمتاع، ولو تتبّع لتبيّنت له وجوه أخر.. "(٤).
ومثله أبو حيّان، فإنّه لمّا ذكر بعض الأقوال في معنى الاستمتاع، قال: " ووجوه الاستمتاع
كثيرة، تدخل هذه الأقوال كلّها تحتها، فينبغي أن يعتقد في هذه الأقوال أنّها تمثيل في الاستمتاع لا حصر في واحد منها "(٥).
واقتصر أكثر المفسّرين على ذكر بعض الأقوال التي هي بعض صور الاستمتاع، دون الإشارة إلى العموم. فمنهم من ذكر صورة واحدة فقط، واقتصر عليها، كالطبريّ(٦)، والواحديّ(٧)، والنسفيّ(٨).

(١) النبوّات: ص٣١١، ٣١٢.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٣/ ٨١.
(٣) ينظر: مقدّمة في أصول التفسير ( بيروت: دار القرآن الكريم ): ص٣٨ ـ ٥٥.
(٤) المحرّر الوجيز: ٥/ ٣٤٨، ٣٤٩.
(٥) البحر المحيط: ٤/ ٢٢٣.
(٦) ينظر: جامع البيان: ٥/ ٣٤٣.
(٧) ينظر: الوجيز: ١/ ٣٧٥.
(٨) ينظر: مدارك التنزيل: ١/ ٣٤٥.


الصفحة التالية
Icon