؟ الثاني: أنّ استمتاع الإنس بعضهم ببعض، أمر معروف، وقد يكون مأذوناً فيه، كاستمتاع الرجال بالنساء على وجه الحلال، ونحو ذلك من صور الاستمتاع المباحة، فليس ذلك محلّ إنكار، إلا فيما حرّم الله. وإنّما محلّ الإنكار هو استمتاع الجنّ بالإنس، والإنس بالجنّ كما يدلّ على ذلك السياق، لما يترتّب على ذلك من الإشراك بالله، وخضوع بعضهم لبعض.
؟ الثالث: أنّ قوله ( وقال أولياؤهم من الإنس ) يدلّ على أنّ الاستمتاع كان بين الجنّ والإنس على وجه المقابلة والموافقة، إذ هو مقتضى الولاية المذكورة، وإلا لما كان لذكر ذلك من فائدة.
؟ الرابع: أنّ الله أشار إلى هذه العلاقة في السورة نفسها، وذلك في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلنا لكلّ نبيّ عدوّاً شيطين الإنس والجنّ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً..﴾[الأنعام: ١١٢].
وبمثل هذا يجاب عمّن قصر الاستمتاع على الإنس دون الجنّ، ويضاف إليه أنّ استمتاع الجنّ بالإنس أكثر من استمتاع الإنس بالجنّ، كما قال الله تعالى: ﴿ وأنّه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ فزادوهم رهقاً ﴾[الجنّ: ٦].
٥٤ ـ قوله تعالى: ﴿ قل لا أجد في ما أوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير.. ﴾[الأنعام: ١٤٥].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ هذه الآية ليست منسوخة. وإنّما نفت تحريم ما سوى المستثنى، ولم تثبت حِلّ ما سواه. وأنّ بين نفي التحريم، وإثبات الحِلّ مرتبة تسمّى مرتبة العفو. ورفع العفو ليس بنسخ(١).
واستدلّ لذلك بما يلي:
١. قوله تعالى: في سورة المائدة: ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيّبات.. ﴾[المائدة: ٥]. والمائدة نزلت بعد الأنعام بسنين، فلو كانت آية الأنعام تضمّنت ما سوى المستثنى؛ ما قيّد الحلّ بقوله: (اليوم اُحلّ لكم ).