وشذّ ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ، فذكر أنّ الآية مدنيّة مكيّة، نزلت على النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يوم نزل عليه قوله تعالى: ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم..﴾[المائدة: ٣]، وذلك يوم عرفة. ولم ينزل بعدها ناسخ، فهي محكمة "(١).
ولم أر من المفسّرين من قال بالنسخ.
والراجح: ما ذهب إليه عامّة المفسّرين، ورجّحه الشيخ، إذ هو مقتضى الأثر والنظر. وأمّا ما ذهب إليه مكيّ إلى أنّ الآية محكمة مخصّصة بما أعقب ذلك من تحريم.. فيجاب عنه ـ إضافة إلى ما ذكر الشيخ: أنّ الله ـ تعالى ـ قال: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً.. ﴾، فهي مختصّة بما نزل من الوحي، ولم تتعرّض لما لم ينزل، فيكون ما نزل بعد ذلك، مضافاً إلى ما ذكر في الآية. ومثل هذا لا يعدّ تخصيصاً.
وأمّا قصر الآية على سببها، فيجاب عنه بأمرين:
؟ أحدهما: أنّ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
؟ الثاني: أنّ لفظ الآية يدلّ على العموم المطلق وقت النزول، فإنّه قال: ﴿ لا أجد فيما أوحي إلىّ محرّماً على طاعم يطعمه..﴾، ولم يقل: ( محرّماً عليكم ).
وأمّا ما ذهب إليه ابن العربيّ ـ رحمه الله ـ، فهو قول انفرد به، ولم يُعرف عن غيره، كما ذكر ذلك القرطبيّ(٢)ـ رحمه الله ـ. وقد ذكر أبو عمر ابن عبد البرّ ـ رحمه الله ـ الإجماع على أنّ سورة الأنعام مكيّة، إلا ثلاث آيات، هي قوله تعالى: ﴿ قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم.. ﴾، وآيتان بعدها[الأنعام: ١٥١ ـ ١٥٣]. كما ذكر الإجماع على أنّ نهي النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ عن أكل كلّ ذي ناب من السباع، إنّما كان بالمدينة(٣).
(٢) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ١٦٦.
(٣) ينظر: التمهيد: ١/ ١٤٦.