وقد ذكر القرطبيّ ـ رحمه الله ـ ما يدلّ على رجوع ابن العربيّ إلى قول عامّة المفسّرين، وممّا ذكره عنه، قوله: " وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: ( قل لا أجد فيما أوحي إليّ..)، بما يرد من الدليل فيها، كما قال النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ: " لا يحلّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث.." فذكر: الكفر، والزنى، والقتل. ثمّ قال علماؤنا: إنّ أسباب القتل عشرة، بما ورد من الأدلّة.." إلى أن قال: " وهو الأمر عندنا "(١).
وإنّ ممّا يؤيّد ما ذهب إليه الشيخ وعامّة المفسّرين، ما أخرجه أبو داود وغيره، عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ، أنّه قال: " كان أهل الجاهليّة يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذّراً، فبعث الله نبيّه، وأنزل كتابه، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه. فما أحلّ فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو منه". ثمّ تلا: ﴿ قل لا أجد فيما أوحيّ إليّ محرماً على
طاعم يطعمه.. ﴾
الآية(٢).
٥٥ ـ قوله تعالى: ﴿ سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرّمنا من شي ء كذلك كذّب الذين من قبلهم حتّى ذاقوا بأسنا.. ﴾ [الأنعام: ١٤٨].
رجّح الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ قول المشركين في الآية: ( لو شاء الله ما أشركنا ) لم يكن على سبيل التكذيب بالقدر، والاستهزاء به. ولم يذمّهم الله على ذلك‘ فإنّهم كانوا يثبتون القدر، وإنّما ذمّهم الله على الاحتجاج به على إبطال الأمر والنهي.

(١) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ١١٨.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه: ٤/ ٢٩٨، برقم: ٣٧٩٤، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٤٧، برقم: ٣٢٣٦، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرّجاه بهذا السياق ".


الصفحة التالية
Icon