قال ـ رحمه الله ـ: " وقد ظنّ طائفة من المثبتين للقدر أنّهم [ أي: المشركين ]قالوا هذا على سبيل التكذيب بالقدر، والاستهزاء به، لقوله تعالى: ﴿ كذلك كذّب الذين من قبلهم ﴾، وبهذا أجابوا القدرية(١)لمّا احتجت عليهم بهذه الآية. وهذا غلط، فإنّ العرب كلّهم كانوا يثبتون القدر، ويقرّون أنّ الله خالق كلّ شيء، وربّه، ومليكه، فلم يكونوا مكذّبين بذلك، ولا ذمّهم الله ـ سبحانه ـ على التكذيب بالقدر، بل على الاحتجاج به على إبطال الأمر والنهي الذي جاءت به الرسل‘ فإنّ هذا هو تكذيب الذين من قبلهم، الذين ذكر الله في القرآن، ولهذا قال: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا..﴾، أي أنّ المحتجّ بالقدر، لا يحتجّ به إلا إذا لم يكن عنده علم، بل يتّبع هواه، فإنّها حجّة متناقضة، إذ لو احتجّ عليه بالقدر، لما قبل هو ذلك منه.."(٢).
وقد ذكر الشيخ في موضع آخر، أنّ القدرية ثلاثة أصناف: ( قدرية مشركون )، و( قدرية مجوسية )، و( قدرية إبليسية ).

(١) القدرية هم نفاة القدر الذين يقولون: لا قدر، وأنّ الأمر أُنُف، فمن شاء هدى نفسه، ومن شاء أضلّها. ومن شاء بخسها حقّها وأهملها، ومن شاء وفّقها للخير وكمّلها، كلّ ذلك مردود إلى مشيئة العبد، ومقتطع من مشيئة الربّ سبحانه. فأثبتوا في ملكه ما لا يشاء، وفي مشيئته ما لا يكون، وزعموا أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يخلق الخير، وأنّ الشيطان يخلق الشرّ، ولذا سمّاهم النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مجوس هذه الأمّة. وهم متّفقون على نفي الصفات، وقد افترقت القدرية إلى عشرين فرقة، كلّ فرقة منها تكفّر سائرها. ( ينظر: الفرق بين الفرق: ص١٨، والتبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين للاسفراييني ( بيروت: عالم الكتب ): ص٦٤، ٦٥، وتبيين كذب المفتري: ص١٥٦ ).
(٢) الاستغاثة: ١/ ٢٢٥.


الصفحة التالية
Icon