قال: " فأمّا الأوّلون، فهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أنّ ذلك موافق للأمر والنهي. وقالوا: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ولا حرّمنا من دونه من شي ء.. ﴾(١)، إلى آخر الكلام في سورة الأنعام. وقالوا: ﴿.. لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شي ء.. ﴾ [النحل: ٣٥]. وفي سورة الزخرف: ﴿ وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنهم.. ﴾[الزخرف: ٢٠]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامّة لكلّ مخلوق، وأنّه ما من دابّة إلا ربّي آخذ بناصيتها..
والقدرية الثانية: المجوسية، الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، كما جعل الأوّلون لله شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرّ. ويقول من كان منهم في ملتنا: إنّ الذنوب الواقعة، ليست واقعة بمشيئة الله تعالى. وربّما قالوا: ولا يعلمها أيضاً. ويقولون: إنّ جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرته ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة. ولهذا قال ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ: القدر نظام التوحيد، فمن وحّد الله، وكذّب بالقدر، نقض تكذيبه توحيده. ويزعمون أنّ هذا هو العدل، ويضمّون إلى ذلك: سلب الصفات، ويسمّونه: التوحيد..
والقسم الثالث: القدرية الإبليسية، الذين صدّقوا بأنّ الله صدر عنه الأمران، لكن؛ عندهم هذا تناقض. وهم خصماء الله، كما جاء في الحديث.."(٢).
الدراسة، والترجيح:
الكلام في هذه الآية مبنيّ على مسألة عقدية؛ طرفاها: أهل السنّة، والأشاعرة ومن وافقهم من جهة، والمعتزلة، ومن وافقهم من جهة أخرى.
ومنشأ الخلاف في ذلك: اختلافهم في المشيئة، وهل يقع في كون الله ما لا يشاؤه ويرضاه؟.
(٢) مجموع الفتاوى: ٨/ ٢٥٦ ـ ٢٦١. ( باختصار ).