وقد قرّر الطبريّ ـ رحمه الله ـ المعنى بطريقة السؤال والجواب، فقال: " فإن قال قائل: وما برهانك على أنّ الله ـ تعالى ـ إنّما كذّب من قيل هؤلاء المشركين قولهم: ( رضي الله منّا عبادة الأوثان، وأراد منّا تحريم ما حرّمنا من الحروث والأنعام )، وعلى وصفهم إيّاه بأنّه قد شاء شركهم، وشرك آبائهم، وتحريمهم ما كانوا يحرّمون؟. قيل له: الدلالة على ذلك: قوله: ﴿ كذلك كذّب الذين من قبلهم ﴾، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم أنّهم سلكوا في تكذيبهم نبيّهم محمّداً ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فيما أتاهم به من عند الله ـ من النهي عن عبادة شيء غير الله ـ تعالى ذكره ـ وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ـ مسلك أسلافهم من الأمم الخالية المكذّبة اللهَ ورسوله. والتكذيب منهم إنّما كان لمكذَّب. ولو كان ذلك خبراً من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاباؤنا ﴾، لقال: (كذلك كَذَب الذين من قبلهم ) بتخفيف الذال، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله، لا إلى التكذيب، مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفّقه لفهمه "(١).
وأمّا ابن عطيّة ـ رحمه الله ـ، فقد ضعّف من قال من أهل السنّة: إنّ هذه المقالة من المشركين، كانت على سبيل الاستهزاء. كما أنكر تعلّق المعتزلة ( القدرية ) بهذه الآية ـ على نحو ما ذكر الشيخ ـ، فقال: " وتعلّقت المعتزلة بهذه الآية، فقالت: إنّ الله قد ذمّ لهم هذه المقالة، وإنّما ذمّها لأنّ كفرهم ليس بمشيئة الله ـ تعالى ـ، بل هو خلق لهم ".
قال ـ رحمه الله ـ: " وليس الأمر على ما قالوا، وإنّما ذمّ الله ـ تعالى ـ ظنّ المشركين أنّ ما شاء الله، لا يقع عليه عقاب. وأمّا أنّه ذمّ قولهم: ( لولا المشيئة لم نكفر )، فلا "(٢).

(١) جامع البيان: ٥/ ٣٨٧، ٣٨٨.
(٢) المحرّر الوجيز: ٥/ ٣٨٧، ٣٨٨.


الصفحة التالية
Icon