واختار القرطبيّ ـ رحمه الله ـ القول الذي أنكره الشيخ، وقال: " وقد لبّست المعتزلة بقوله: ﴿.. لو شاء الله ما أشركنا..﴾، فقالوا: قد ذمّ الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئة. وتعلّقهم بذلك باطل؛ لأنّ الله ـ تعالى ـ إنّما ذمّهم على ترك اجتهادهم في طلب الحقّ، وإنّما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب "(١).
وحجّته ـ رحمه الله ـ: أنّ المشركين لو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به ـ سبحانه ـ، لما عابهم على ذلك، لأنّ الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا..﴾ [الأنعام: ١٠٧]، و﴿.. ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله.. ﴾[ الأنعام: ١١١]، ﴿ ولو شاء لهدبكم
أجمعين ﴾[النحل: ٩]. فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله ـ تعالى ـ "(٢).
والراجح ما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ وأمّا ما ذهب إليه القرطبيّ ـ رحمه الله ـ فقد سبق الجواب عنه، ويمكن تلخيصه فيما يلي:
١. أنّ مشركي العرب كانوا مثبتين للقدر، ومقرّين بأنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ هو الخالق المالك المدبّر.
٢. أنّ الله قال ( كذلك كذّب الذين من قبلهم ) بالتشديد، ولو كان قولهم على سبيل الاستهزاء واللعب؛ لقال: ( كذلك كَذَب ) بالتخفيف.
٣. قوله في آخر الآية: ﴿ قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتّبعون إلا الظنّ وإن أنتم إلا تخرصون ﴾ دليل على أنّ قولهم: ( لو شاء الله ما أشركنا ) كان عن جهل وظنّ وتخرّص، لا عن سخرية واستهزاء، لذا طالبهم بدليل علميّ على ما زعموه. والمعنى: قل يا محمّد لهؤلاء المشركين: هل عندكم من علم من قبل الله فتبيّنوه، حتّى تقوم به الحجّة(٣). ولمّا كان ذلك متعذّراً، قال تعالى: ﴿ قل فلله الحجّة البلغة فلو شاء لهدبكم أجمعين ﴾[الأنعام: ١٤٩]، ولو كان قولهم على سبيل الاستهزاء؛ لأنكر عليهم ذلك.
(٢) الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ١٢٩.
(٣) ينظر: المحرّر الوجيز: ٥/ ٣٨٩.