هذا، وممّن اختار قول القدرية المعتزلة في هذه الآية من المفسّرين: الزمخشريّ ـ على عادته في تقرير مذهب الاعتزال(١)، وقد أنكر عليه أبو حيّان(٢)ـ، والجصّاص(٣)، والنسفيّ(٤).
وقد سبق قريباً ذكر حجّتهم، والردّ عليها، بما يغني عن الإعادة.
٥٦ ـ قوله تعالى: ﴿.. فمن أظلم ممّن كذّب بايت الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن ءايتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ﴾ [الأنعام: ١٥٧].
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ الوعيد في هذه الآية إنّما هو للصادف عن آيات الله مطلقاً، سواء كان مكذّباً، أو لم يكن.
وحجّته في ذلك: " أنّ كلّ من لم يقرّ بما جاء به الرسول، فهو كافر، سواء اعتقد كذبه، أو استكبر عن الإيمان به، أو أعرض عنه اتّباعاً لما يهواه، أو ارتاب فيما جاء به. فكلّ مكذّب بما جاء به، فهو كافر. وقد يكون كافراً من لا يكذّبه إذا لم يؤمن به "(٥).
الدراسة، والترجيح:
انفرد الشيخ ـ رحمه الله ـ بالإشارة إلى هذا المعنى دون سائر المفسّرين، فلم أر ـ حسب اطّلاعي ـ أحداً أشار إليه. وإنّما اختلفوا في معنى الصدف: هل هو لازم، أم متعدٍ. فذهب عامّة المفسّرين ـ من المتقدّمين وبعض المتأخّرين ـ إلى أنّه لازم: ( صدف عنها )، أي: أعرض عنها ولم يتدبّرها، ولم يتعرّف على حقيقتها، فيؤمن بما دلّت عليه من توحيد الله، وصدق الرسالة. وهذا القول مرويّ عن ابن عبّاس، وقتادة، ومجاهد(٦). وهو ظاهر اختيار الشيخ كما يفهم من سياق كلامه.

(١) ينظر: الكشّاف: ٢/ ٤٦.
(٢) ينظر: البحر المحيط: ٤/ ٢٤٧.
(٣) ينظر: أحكام القرآن: ٣/ ٢٣.
(٤) ينظر: مدارك التنزيل: ١/ ٣٥١.
(٥) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٥٦، والفتاوى الكبرى: ١/ ٤٥٨.
(٦) ينظر: جامع البيان: ٥/ ٤٠٤، ومعالم التنزيل: ٣/ ٢٠٦، والمحرّر الوجيز: ٥/ ٤٠٥، والمفردات للراغب: ص٢٨٠، والترجمان والدليل لآيات التنزيل للشنقيطيّ ( الرياض: دار روضة الصغير ): ١/ ٣٥١.


الصفحة التالية
Icon