وأمّا من قال: إنّ النسك يتناول العبادة مطلقاً، فذلك وإن كان صحيحاً سائغاً في الشرع(١)واللغة(٢)؛ إلا أنّه غير سائغ في هذا الموضع، لأنّ السورة مكيّة ـ كما سبق ـ، ولم تكن سائر الشرائع قد نزلت بعد، سوى الصلاة، والتوحيد الذي هو أصل الدين. فلم يكن المسلمون متعبّدين بغير ذلك، ولمّا كان الشرك الذي هو ضدّ التوحيد ـ أكثر ما يتمثّل في الذبح لغير الله من الآلهة المدّعاة؛ نصّ عليه في الآية.
سورة الأعراف
٥٩ ـ قوله تعالى: ﴿.. وما كنّا غائبين ﴾[الأعراف: ٧].
في هذه الآية، نفى الله عن نفسه أن يكون غائباً. وفي موضع آخر، جعل نفسه غيباً، فقال: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب.. ﴾[البقرة: ٣].
وقد ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ اختلاف الناس في هذه المسألة، وهل يسمّى الله غائباً؟. ثم ذكر فصل الخطاب في ذلك، فقال: " وفصل الخطاب بين الطائفتين، أنّ اسم ( الغيب )، و ( الغائب ) من الأمور الإضافيّة، يراد به: ما غاب عنّا فلم ندركه. ويراد به: ما غاب عنّا فلم يدركنا. وذلك لأنّ الواحد منّا إذا غاب عن الآخر مغيباً مطلقاً، لم يدرك هذا هذا، ولا هذا هذا. والله سبحانه شهيد على العباد، رقيب عليهم، مهيمن عليهم، لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض، ولا في السماء. فليس هو غائباً، وإنّما لما لم يره العباد، كان غيباً. ولهذا يدخل في الغيب: الذي يؤمن به، وليس هو بغائب، فإنّ الغائب اسم فاعل، من قولك: غاب يغيب، فهو غائب. والله شاهد غير غائب. وأمّا الغيب، فهو مصدر غاب يغيب غيباً، وكثيراً ما يوضع المصدر موضع الفاعل، كالعدل، والصوم، والزَّوْر. وموضع المفعول، كالخلق، والرزق، ودرهم ضرب الأمير "(٣).
الدراسة، والترجيح:
(٢) ينظر: لسان العرب: ٦/ ٤٤١٢، مادة ( نسك ).
(٣) مجموع الفتاوى: ١٤/ ٥١، ٥٢، ودقائق التفسير: ١/ ٢٠١، ٢٠٢.