والثالث: مثل ما ذكره من إنزال السكينة بقوله: ﴿ ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله.. ﴾ [التوبة: ٢٦]، وإنزال الميزان كما في قوله: ﴿ الله الذي أنزل الكتب بالحقّ والميزان..﴾ [الشورى: ١٧]، وجمهور المفسّرين على أنّ المراد به العدل، وكلٌ من السكينة والعدل، تنزل به الملائكة على قلوب المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ إذ يوحي ربّك إلى الملئكة أنّي معكم فثبّتوا الذين ءامنوا.. ﴾ [الأنفال: ١٢]، وذلك بإنزال السكينة في قلوبهم، وفي الحديث: " من طلب القضاء، واستعان عليه، وُكِل إليه. ومن لم يطلب القضاء، ولم يستعن عليه، أنزل الله عليه ملَكاً يسدّده "(١)..
ومن ذلك: ما ورد في هذه الآية من إنزال اللباس والريش.
وقد بيّن الشيخ في هذا الفصل ـ بكلام نفيس ـ أنّه ليس في القرآن ولا في السنّة لفظ نزول، إلا وفيه معنى النزول المعروف ( من أعلى إلى أسفل )، قال ـ رحمه الله ـ: " وهذا هو اللائق بالقرآن، فإنّه نزل بلغة العرب، ولا تعرف العرب نزولاً إلا بهذا المعنى. ولو أريد غير هذا المعنى، لكان خطاباً بغير لغتها، ثمّ هو استعمال اللفظ المعروف له معنى، في معنى آخر بلا بيان، وهذا لا يجوز بما ذكرنا. وبهذا يحصل مقصود القرآن واللغة الذي أخبر الله تعالى أنّه بيّنه، وجعله هدى للناس "(٢).
الدراسة، والترجيح:
كما ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ، فقد اختلفت أقوال المفسّرين، واختياراتهم، في معنى الإنزال في هذه الآية، فاختار بعضهم أنّه بمعنى الخلق.

(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضيّة، باب في طلب القضاء، والتسرّع إليه: ٤/ ٢٠٩، برقم: ٣٥٧٣، عن أنس. وضعّفه الألباني كما في ضعيف الجامع: ٥/ ٢١٨، برقم: ٥٧٠٠.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٢/ ٢٤٦ ـ ٢٥٧. ( باختصار ).


الصفحة التالية
Icon