والراجح: ما قرّره الشيخ ـ رحمه الله ـ من مذهب السلف، وذكر الأدلّة عليه. وقد أكثر ـ رحمه الله ـ من تقرير ذلك في كثير من كتبه، بل كانت هذه القضيّة من أهمّ القضايا التي شغلته، وأثارت عليه علماء عصره، فلم يَهِن، ولم يلن، حتّى أحيا مذهب السلف الصالح، بعد أن كاد أن يندرس. لذا استحقّ ـ رحمه الله ـ لقب شيخ الإسلام بجدارة.
٦٤ ـ قوله تعالى: ﴿ ادعوا ربّكم تضرّعاً وخفية.. ﴾[الأعراف: ٥٥].
اختار الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ قوله تعالى: ( ادعوا ربّكم ) يتناول نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة. لكنّه ظاهر في دعاء المسألة، متضمّن دعاء العبادة.
وحجّة الشيخ: أنّ الله أمر بإخفائه وإسراره، وهذا إنّما يكون في دعاء المسألة، كما قال الله عن نبيّه زكريا ـ عليه السلام ـ: ﴿ إذ نادى ربّه نداء خفيّاً ﴾[مريم: ٣](١).
الدراسة، والترجيح:
أكثر المفسّرين ذكروا ما يدلّ على أنّ المراد بالدعاء في الآية: دعاء المسألة، منهم الجصّاص(٢)، والبغويّ(٣)، وابن الجوزيّ(٤)، والبيضاويّ(٥)، والنسفيّ(٦). واستظهره أبوحيّان(٧).
واختار ابن عطيّة تضمّن الآية لنوعي الدعاء، فقال في تفسير هذه الآية: إنّها " أمر بالدعاء، وتعبّد به "(٨). وتابعه على ذلك بنصّه: القرطبيّ(٩).
(٢) ينظر: أحكام القرآن: ٣/ ٣٣.
(٣) ينظر: معالم التنزيل: ٣/ ٢٣٧.
(٤) ينظر: زاد المسير: ص٥٠١.
(٥) ينظر: أنوار التنزيل: ٣/ ٢٧، ٢٨.
(٦) ينظر: مدارك التنزيل: ٢/ ١٦. ومن المتأخّرين: أبو السعود: ٣/ ٢٣٣، والألوسيّ: ٨/ ١٣٩.
(٧) ينظر: البحر المحيط: ٤/ ٣١٢. ومن المتأخّرين: ابن عاشور: ٨/ ١٣١.
(٨) ينظر: المحرّر الوجيز: ٥/ ٥٢٩.
(٩) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٢٢٣. ومن المتأخّرين: الثعالبيّ: ٢/ ٢٣، والسعديّ: ٣/ ٤٠.