وذهبت طائفة إلى أنّ المراد بالدعاء في الآية: دعاء العبادة. منهم: الزجّاج(١).
وحجّتهم في ذلك: أنّ الله عطف عليه قوله: ﴿ وادعوه خوفاً وطمعاً ﴾، والمعطوف يجب أن يكون مغايراً للمعطوف عليه.
وما اختاره الشيخ هو القول الوسط الجامع لهذه الأقوال، فإنّ ظاهر الآية ـ لما اقترن به من القرائن من الأمر بالإخفاء، والنهي عن الاعتداء ـ يدلّ على دعاء المسألة، لكنّه متضمّن لدعاء العبادة، لما صحّ عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال: " الدعاء هو العبادة "(٢)، فالدعاء من أخصّ العبادات، إذ ما من عبادة إلا وهي متضمنة للدعاء، وتوجه القلب إلى الله، بل هو لبّها ومقصودها، مع ما فيها من أمور أخرى بدنيّة وماليّة. وهذا يشبه قوله تعالى عن المنافقين: ﴿ هم العدوّ ﴾[ المنافقون: ٤]، فإنّه لم يُرِد بذلك الحصر، بل هو من إثبات الأولويّة والأحقيّة لهم في هذا الوصف(٣).
وأمّا من قصر الدعاء في الآية على دعاء العبادة، وأخرج دعاء المسألة؛ فلعلّه أراد أنّ دعاء العبادة متضمّن لدعاء المسألة. لكنّ سياق الآية، وما تضمّنته من القرائن، يدلّ على عكس ذلك، فيكون ظاهراً في دعاء المسألة، متضمّناً لدعاء العبادة.

(١) ١٠) ومن المتأخّرين: البقاعي: ٣/ ٤٣.
(٢) أخرجه أجمد في المسند من حديث النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ: ٤/ ٢٧١، برقم: ١٨٣٥، وإسناده صحيح. ( ينظر: مسند أحمد ضمن الموسوعة الحديثية بتخريج شعيب الأرنؤوط وجماعة: ٣٠/ ٢٩٨. وصحيح الجامع الصغير: ٣/ ١٥٠، برقم: ٣٤٠١ ).
(٣) ينظر: طريق الهجرتين لابن القيّم: ص٣٧٤. وبدائع التفسير: ٤/ ٤٥٣


الصفحة التالية
Icon