وقد أطال الشيخ ـ رحمه الله ـ الكلام في بيان معنى هذه الآية، واختلاف الناس فيها، ثمّ ختم ذلك بقوله: " قلت: المقصود بما ذكر: خلاف الناس في هذا الأصل، وأمّا تحقيق القول فيه؛ فإنّ الله ـ سبحانه ـ إنّما يصطفي لرسالته من كان من خيار قومه حتّى في النسب، كما في حديث هرقل(١). ومن نشأ بين قوم مشركين جهال، لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم، إذا كان معروفاً بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه، وترك ما يعرفون قبحه، قال تعالى: ﴿ وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً ﴾[الإسراء: ١٥]. فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفّر عن القبول منهم، ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحاً. وقد اتّفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوّة والشرائع، وأنّ من لم يقرّ بذلك بعد الرسالة، فهو كافر. والرسل قبل الوحي لا تعلمه، فضلاً عن أن تقرّ به، قال تعالى: ﴿ ينزّل الملئكة بالروح من أمره.. ﴾[النحل: ٢]، وقال { يلقي

(١) هرقل هو ملك الروم ومقدّمهم، وهرقل اسمه، وهو بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف. ولقبه قيصر. ( ينظر: فتح الباري: ١/ ٣٣). وحديث هرقل أخرجه البخاريّ بطوله في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ : ١/ ٧، برقم: ٧، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام: ص٤٦٢، برقم: ١٧٧٣. وفيه قوله لأبي سفيان: كيف نسبه فيكم؟. قال: هو فينا ذو نسب. قال: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.


الصفحة التالية
Icon